العراقي يرتبط بعلاقة راسخة مع الكتاب

معرض بغداد الدولي للكتاب يمثّل بالنسبة إلى العديد من الزوار أكثر من مجرد سوق للكتب، فهو مساحة للذكريات واللقاءات والوفاء لعلاقة قديمة بالقراءة.

بغداد - ارتبط العراقي منذ عقود بعلاقة راسخة مع الكتاب، علاقة تتجاوز حدود التخصصات المعرفية لتغذّي العقل والوجدان، وفي معرض بغداد الدولي للكتاب، تتجلى هذه الصلة بوضوح، إذ تتحول القاعات إلى فضاءات تعكس تنوّع الأذواق بين الأدب والرواية، والتاريخ والسياسة، والتنمية الذاتية والفكر الفلسفي، لتصبح زيارة المعرض رحلة استكشاف لعوالم جديدة.

ويصف محمد علي، وهو أحد زوار المعرض، تجربته، خلال حديث لوكالة الأنباء العراقية (واع)، "حين أدخل قاعة المعرض، أشعر أنني أمام عالم كامل من الكتب، كل عنوان يجرني إلى زاوية مختلفة"، مضيفا "منذ عقود، ارتبط العراقي بعلاقة وثيقة مع الكتاب، لا تقتصر على مجال معرفي محدد، وإنما تمتد إلى شتى التخصصات التي تغذي عقله ووجدانه معا".

وأشار الكتبي أحمد السامرائي، في حديثه لوكالة "واع" إلى أن "ما يميز هذه الدورة ليس فقط كثرة العناوين المعروضة، وإنما طبيعة الأسئلة التي يطرحها القراء على دور النشر".

وتابع "نسمع يوميا عشرات الطلبات من زوار يفتشون عن كتب بعينها، وغالبا ما تكون أسئلة الشباب مرتبطة بالروايات الحديثة والمترجمات الجديدة، في حين ينشغل الأكاديميون بالبحث عن كتب التاريخ والسياسة، بينما يتجه آخرون نحو التنمية الذاتية والمهارات الحياتية".

وأضاف أن "وجود دور نشر عربية وأجنبية بأكثر من 600 دار، يفتح أمام العراقيين خيارات واسعة قد لا تكون متاحة في مكتبات بغداد أو في شارع المتنبي. في المعرض يجد القارئ ما يصعب العثور عليه في السوق المحلية، سواء من حيث العناوين أو الطبعات الحديثة، ولهذا صار المعرض ليس فقط مكانًا للشراء، بل مساحة للتعرف على اتجاهات القراءة عند مختلف الفئات العمرية".

وقال الحاج عبدالكريم (68 عامًا)، وهو موظف متقاعد يحرص على زيارة المعرض كل عام برفقة زوجته، "أنا وزوجتي نعتبر المعرض موعدًا ثابتًا مثل الأعياد، لا يمكن أن نغيب عنه، منذ سنوات طويلة ونحن نتردد إلى معارض الكتب، ومعرض بغداد تحديدًا صار بالنسبة إلينا تقليدًا لا ينقطع".

وأشار إلى زوجته الجالسة إلى جواره، وقال مبتسما "تعرفت عليها في سبعينيات القرن الماضي عندما كانت تعمل في المكتبة المركزية في بغداد، كنت أزورها باستمرار لأبحث عن كتب التاريخ، وكانت هي الموظفة التي تساعدني في العثور على العناوين، من هناك بدأت الحكاية، حكاية كتاب وحكاية حياة".

وتابع "أنا متقاعد الآن، لكن ما زلت أبحث عن الجديد في عالم النشر، في كل دورة من دورات المعرض أجد ما يربطني بماضي ويعزز حاضري، أحيانًا أبحث عن كتب تاريخية عن العراق أو مذكرات شخصيات سياسية، وأحياناً أجرب روايات جديدة لأشعر أني قريب من جيل الشباب. لكن الأجمل هو أن أعيش أجواء المعرض مع زوجتي، فهي بالنسبة إلي ليست مجرد زيارة ثقافية بل رحلة عمر تتجدد كل عام".

ويمثّل معرض بغداد الدولي للكتاب بالنسبة إليه أكثر من مجرد سوق للكتب، فهو مساحة للذكريات واللقاءات والوفاء لعلاقة قديمة بالقراءة، وفق وله.

ويستذكر أبوسيف (63 عامًا)، وهو من رواد المعرض الدائمين، ذكريات قاسية ارتبطت بالكتاب في سنوات الحصار، قائلا "في التسعينيات، لم يكن أمامنا خيار، اشتد الجوع وارتفعت الأسعار بشكل جنوني، فاضطررت أن أبيع جزءًا من مكتبتي الخاصة، كنت أمتلك عشرات الكتب التي جمعتها بجهد سنين، بعضها هدايا من أصدقاء وأساتذة، وبعضها نُسخ قديمة نادرة، لكن الحاجة أقسى من الحلم".

وأردف "كان بيع الكتب في تلك المرحلة أشد إيلامًا من أي خسارة أخرى، كثير من العراقيين استغنوا عن مكتباتهم ليشتروا لقمة العيش، وكان ذلك أشد قسوة من الجوع نفسه".

وحاول أبوسيف أن يعيد شيئًا مما فقده، فيبحث باستمرار عن الطبعات نفسها التي اضطر إلى بيعها "صرت أعتبر أن مكتبتي جزءا من بيتي، لا يكتمل البيت من دون رفوف عامرة بالكتب، كلما أقتني كتابًا كنت قد بعته في التسعينيات، أشعر أنني أستعيد شيئًا من نفسي، ولهذا أحرص على زيارة معرض بغداد الدولي للكتاب في كل دورة، لأنه يمنحني فرصة للبحث، وربما العثور على نسخة من كتاب قديم كنت أملكه يوماً".

ولفت إلى أن "المعرض يقدّم له، ولغيره من العراقيين الذين مرّوا بتجربة الحصار، تعويضًا رمزيًا عن خسارة الماضي"، مضيفا "اليوم حين أمشي بين الأجنحة وأرى هذا الحشد من الناس يسألون عن الروايات والتاريخ والفكر والفلسفة، أشعر أن العراقي ما زال متشبثًا بالكتاب، وأنه رغم كل الأزمات لم يتخل عن شغفه الأول".

ويحكي المدرّس المتقاعد قاسم محمد (62 عامًا)، الذي يصف نفسه بـ"الكاتب الهاوي"، عن علاقته بمعرض بغداد الدولي للكتاب قائلاً "كنت أكتب مقالات قصيرة في الصحف المحلية خلال الثمانينيات، ولم تُجمع في كتاب يومًا. لكن كلما أزور المعرض أشعر أنني جزء من هذه الحركة، وكأن نصوصي المبعثرة تجد مكانها بين الرفوف"، متابعا أن "المعرض يذكّرني دائمًا أن الكتابة ليست حكرًا على الكتّاب الكبار، إنما هي شغف كل من جرّب أن يدوّن شيئًا، أشتري كتبًا في النقد واللغة وأسعى أن أتعلم حتى بعد التقاعد وحين أعود إلى بيتي بحقائب مليئة بالكتب، أشعر أنني أعيش بداية جديدة مع الكتابة".

ويرى قاسم أن المعرض يقدّم للقراء ما يبحثون عنه، ويمنح الهواة والكتّاب الجدد الحافز للاستمرار، "كل دورة بالنسبة إلي فرصة كي أعود إلى دفاتري القديمة وأكتب من جديد، وأقول لنفسي إن الكتابة ممكنة ما دام هناك من يقرأ".

ويشهد معرض بغداد الدولي للكتاب بنسخته السادسة والعشرين، والذي افتتحه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الأربعاء، بمشاركة 349 دار نشر من مختلف دول العالم، ليكون منصةً ثقافية وحضارية رائدة.