العقم والإخصاء في الأدب الفلسطيني: دراسة في الرموز والمآزق الوجودية

الشعر الفلسطيني حوّل فكرة العقم من مأساة بيولوجية إلى مجاز حضاري وروحي، يفضح القهر السياسي والاجتماعي، ويعيد تعريف الخصوبة بوصفها قدرة على المقاومة والإبداع، لا على الإنجاب وحده.

ينطلق الشاعر والباحث صالح أحمد (كناعنة) في كتابه "دلالة العقم والإخصاء في الأدب الفلسطيني"، الصادر عن دار الأدهم، في قراءة تحليلية مغايرة للنظرة التقليدية لمفهوم العقم والإخصاء، محاولًا تفكيك أبعادهما الرمزية والدلالية في الأدب الفلسطيني الحديث، خاصة في شعر سميح القاسم ومحمود درويش وأحمد دحبور. لا يقف الباحث عند المعنى البيولوجي للمصطلحين، بل يتجاوزهما إلى أفقٍ فكري وروحيٍّ واجتماعي، إذ يرى في "العقم" رمزًا للخواء والجمود، وفي "الإخصاء" علامةً على القمع والحرمان والتسلّط الذي يعطّل إرادة الإنسان ويشل قدرته على الخلق.

يبدأ الكتاب من الجذر اللغوي، حيث يوضح الباحث أن العقم والعقر في اللغة العربية يشتركان في الدلالة على عدم القدرة على الإنجاب، غير أن بينهما تفاوتًا في المدى والقابلية للشفاء. يقول "يذهب الباحثون إلى أن التعبيرين 'العقم' و'العقر' يشتركان في الدلالة على عدم القدرة على الإنجاب، فلا تحمل المرأة ولا يولد للرجل، وأنّ للعقر مدى من الأقل إلى أشد، وأنه قابل للعلاج، أما مطلق 'العقر' وهو 'العقم' فهو غير قابل للعلاج ولا يُبرأ منه، فلا يولد للمصاب به أي طفل".

ويؤكد الباحث أن الفروق الدقيقة في دلالة الألفاظ ضرورية لفهم الانزياحات الرمزية التي ستتجلى لاحقًا في الشعر الفلسطيني، "إن إدراك الفروق الدقيقة في دلالة الألفاظ في اللغة العربية ذو أهميّة حيويّة في هذا المجال، فبدونه لا يمكن اختيار اللفظ العربي الصحيح الواضح والصائب في دلالته". ومن هنا ينطلق إلى النص القرآني بوصفه أصلًا لغويًا وثقافيًا للمعنى، مستعرضًا مجموعة من الآيات الكريمة التي ترد فيها مفردة "عقيم" و"عاقر"، مثل قوله تعالى "ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير"، "قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرًا وقد بلغت من الكبر عتيًّا"، "عجوز عقيم".

ويرى كناعنة أن "العقم هو من العقر، وهو أشدّه ومنتهاه، ومن الممكن حدوثه قبل أن يولد للمرء أي طفل، أو بعد أن يولد له. وهذه الدلالات ثابتة منذ أمد طويل كما تدل عليه اللغة والآيات الكريمة"، ثم يتوسع في الشواهد التراثية والأمثال الشعرية ليبيّن أن الكلمة تحمل معاني الألم والفناء وامتناع الخير والحياة، فيستشهد بقول أبي دهبل "عُقِمَ النِساءُ فما يَلِدنَ شَبيهَهُ.. إنَّ النِساءَ بمِثلِهِ عُقُمُ". ويشرح "الشاعر قد أتى بلفظي "عُقِمَ" و"عُقُمُ" لأنّها تفيد مطلق عدم قدرة النساء على ولادة شبيهه، لأنّ العقم لا يُبرأ منه".

يضع كناعنة بهذه القراءة اللغوية الدقيقة، الأساس لمفهومه التحليلي الذي يرى أن العقم في الأدب الحديث لم يعد مجرّد وصف جسدي بل دلالة رمزية على انقطاع الحياة الروحية والفكرية، وأنه في الشعر الفلسطيني أصبح "أداة فنية لتصوير اليأس الجمعي وانسداد الأفق السياسي".

وينتقل إلى تحليل مصطلح الإخصاء، مبيّنًا التباسه وتأويلاته المتعددة، فيوضح "تكاد لا توجد لفظة يحيط بها الالتباس التأويلي مثل لفظة الإخصاء، فهي من ناحية المفهوم الدلالي المجرد تحمل المعنى السلبي المرتبط بحالات قطع العضو الذكري، أما الأخطر منه فهو ما يرتبط بمعاني العنف والسيطرة والكبت... الإخصاء الرمزي لا يحتاج إلى القطع بالسكين، بل إلى القطع باللغة، والأمر، والقانون، والسيطرة".

ويضيف كناعنة "كل ممارسة تهدف إلى تعطيل وتحديد القدرة على بناء الذات البشرية السليمة القادرة على النهوض بحاجاتها الإنسانية... هي شكل من أشكال الإخصاء الفكري والنفسي". ومن هنا يربط الباحث بين البنية النفسية للفرد الفلسطيني المحاصر بالسلطة والقهر، وبين الرموز الأدبية التي تتخذ من العقم والإخصاء لغةً للتعبير عن الشلل الوجودي والجماعي.

سميح القاسم: العقم كفراغ روحي

يخصّص كناعنة فصلا تحليليًا مطولا للشاعر سميح القاسم، الذي يرى فيه نموذجًا للشاعر المؤمن بأن "الروح هي القوة العليا المسيرة لسلوك الإنسان ونهجه". ففي قوله:

عَقَمَت حُلومهم وساء مآلهم

وبخزيهم يوم التراجح باؤوا

يجد الباحث أن سميح القاسم يقصد بـ"حلومهم" أفكارهم وضمائرهم وأحلامهم، التي أصبحت "عقيمة لا تنتج إلا الخواء"، مؤكدًا أن الشاعر يهيّئ لفكرته في البيت السابق حين يقول:

عربيّة ألفاظهم قرشيّة

وإذا سبرت فروحهم عجماء

ويفسّر كناعنة "هم عرب في الظاهر، في اللسان، أما في الحقيقة وفي عمق الواقع فهم عجماء، لا وضوح في مواقفهم، لأنهم تغربوا عن روحهم وأصولهم وجذورهم".

ويرى أن العقم عند القاسم هو عقم روحي وفكري نابع من غياب "صوت بلال"، أي من انطفاء الإيمان الحقيقي الذي كان يوحّد الأمة:

ويبرأ يعرب من عُقمه ويعجّ كلّ خالٍ،

ليخلص إلى قوله:

أنا ابن يعرب بكره وصغيره

وأخيره في عُقمه الروحاني

ويعلّق "إنه العقم الروحاني، الواقع المظهري الزائف الذي أبدل الأمّة خواءً وعدمية بعد عزٍّ ومجد".

ويتابع كناعنة استقراء الرمز في قصائد أخرى مثل "إلى أن يصدر الحكم"، حيث يشبّه القاسم الزوج الذي يقتل زوجته بـ"فرعي شجرة عاقر"، ويرى في هذا المشهد استعارة رمزية لـ"تخلّي العالم عن القضية الفلسطينية"، فالزوج هنا "يمثل الوصاية التي فرضها الانتداب البريطاني"، والزوجة "تمثل القضية التي ثقل حملها على العالم فتخلّص منها بضربة قاضية".

صالح أحمد
قراءة تحليلية مغايرة للنظرة التقليدية لمفهوم العقم والإخصاء

ويقول "فرعا الشجرة العاقر رمزان للعجز العربي والبؤس الفلسطيني، وقد أصبحت الأمة شجرة عاقر خلت من إشراقات الروح التي تمدّها بالحياة".

ويضيف "في قصيدته "أخذة الأميرة يبوس"، يتناول القاسم مفارقة الحضارة الزائفة التي يصفها بقوله:

فجأة تخجل الروح من عريها

يخجل العقم من عقمه

تضربني، تضرب الروح زلزلة

ويعلّق كناعنة "إنها حضارة الروح العارية العقيمة المجرّدة من كل معاني الروحانية... حضارة تخجل من نفسها لأنها فقدت جذورها وأصالتها".

وفي قصيدة "أطفال سنة 1948"، يلخّص القاسم فكرته المركزية في بيت واحد يقول فيه "آباؤنا لم يغرسوا غير الأساطير السقيمة واليتم والرؤيا العقيمة". ويعلّق كناعنة "الأساطير السقيمة، اليتم، الجهالة، الخيانة، الجريمة... كلها محصلة ما يملك العرب، فلا أثر للروح في هذا الواقع، ولا أمل في خصب قادم".

محمود درويش: العقم كعقدة المستحيل

في القسم الثاني من الكتاب، يتناول كناعنة تجربة محمود درويش، ويرى أنه جعل من العقم والخصوبة رمزين متقابلين بين العجز والحرية، بين الوهم والنهضة. ويستشهد بقصيدة "عن الأمنيات" التي يقول فيها درويش:

يا صديقي! لن يصب النيل في الفولغا

ولا الكونغو، ولا الأردن، في نهر الفرات!

كل نهر، وله نبع... ومجرى... وحياة!

يا صديقي!... أرضنا ليست بعاقر

كل أرض، ولها ميلادها

كل فجر، وله موعد ثائر!

يرى كناعنة "إذا تأملنا في متلازمة (ليتني) التي تتكرر في القصيدة، وجدناها لا تحمل إلا معنى العجز والمستحيل. فالإنسان يستخدم (ليت) حين يشعر بالعجز، ودرويش يواجه هذا العجز بتأكيد أن الأرض ليست عاقرًا، وأن الفجر قادم".

وفي قصيدة "طباق عن إدوارد سعيد"، يستشهد كناعنة بالمقطع الشهير:

وقال: إذا متُّ قبلك أوصيك بالمستحيل!

سألت: هل المستحيل بعيد؟

فقال: على بُعد جيل.

ويعلق "المستحيل عند درويش ليس عجزًا أبديًّا، بل هو مؤجّل، فجيل المستحيل سيفنى ويولد جيل يؤمن بالملائم الممكن".

ويبلغ التحليل ذروته مع قصيدة "الدكتاتور"، التي يراها كناعنة نموذجًا مكثفًا للإخصاء الرمزي في السياسة العربية، مستشهدًا بمقطعها الأشهر:

فإن كانت الأرض عاقرًا

فإن القيادة حبلى بما يجعل الأرض خضراء

ويقول "إنها قمة النرجسية السياسية، إذ يتقمص الحاكم دور الإله القادر على الإخصاب، في حين أن الأرض رمز للوطن والشعب والإنسان، كلها عاقر في نظره إلا القيادة، التي ترى نفسها حبلى بالمعجزات".

ويستدعي كناعنة مقولة رجاء بن سلامة "إن الإخصاء الرمزي لا يحتاج إلى القطع بالسكين، بل إلى القطع باللغة والأمر والقانون والسيطرة"، ليؤكد أن الدكتاتور في قصيدة درويش يجسد هذه الحالة تمامًا، فهو يمارس "الخصاء اللغوي والوجودي على أمته". ثم يربط هذا التصور بما يسميه "عقدة اللامعقول"، حين يقول درويش في قصيدة أخرى "وها نحن نحمل ميلادنا مثلما تحمل المرأة العاقر الحلم". ويفسّر الصورة بـ"إنها تآلف بين مستحيلين، صورة جنونية لحلم عبثي، تمثل وعياً حادًا باستحالة الخلاص في ظل الواقع الراهن".

أحمد دحبور: غياب الفارس

في القسم الثالث، يقترب الباحث من تجربة أحمد دحبور، الذي عاش النكبة لاجئًا فحوّل العقم إلى رمز للمنفى والتيه والخذلان. يقول دحبور في قصيدته "الضواري وعيون الأطفال":

وخلّفت في الدرب أطفال داري...

متى يرجعه الدهر العقيم؟

ويرى كناعنة أن هذا السؤال يلخص مأساة الفلسطيني الذي "يستودع أبناءه للقدر العقيم"، فـ"الدهر هنا ليس زمنًا طبيعيًا، بل واقع سياسي وأخلاقي ميت". ويشير إلى أن "الدهر العقيم هو العالم المتخاذل الذي تخلى عن جذوره، والرياح تعصف بأحلامه، وأصوات الأطفال تتلاشى في الغبار".

وفي قوله "يا إله الموج، تاريخي بلا طفلٍ"، يقرأ كناعنة صورة شديدة الرمزية لواقع الأمة "تاريخي بلا طفل يعني تاريخ بلا امتداد، بلا مستقبل. لقد مات ولم يترك أثرًا، لأن الفكر الذي يحكمه فكر عقيم جامد محكوم بالغدر والاستسلام والهزيمة".

ويستمر دحبور في استدعاء المفارقة بين الصحراء والنخيل والصناعة في قوله:

شجر المطاط يستغوي مفازاتي

وينفي فورة النخل العقيمة

يقول كناعنة "شجر المطاط رمز للحضارة الصناعية الغربية التي تغوي صحراء العرب، بينما النخل الصلب الذي يظنه العربي رمزًا للثبات قد صار رمزًا للجمود العقيم".

وفي قصيدته "هبة" يقول دحبور "من الزجاج مهبّ العقم والعنت"، فيلفت كناعنة إلى أن "الفكر القدري الغيبي ليس سوى قدر هشّ من الزجاج، فالعقم هنا ذهني، والعنت عجز عن الفعل".

أما في قصيدة "عُرسان للمرأة الصعبة"، فيجعل دحبور من "الأمير العقيم" نموذجًا للحاكم العربي الذي يخدع شعبه، فيقول:

إن فارس القطعان لا يخيب،

إن ذابح القطعان!

ويوضح كناعنة "القطعان كناية عن الشعوب المنقادة، والذبح رمز الخيانة الكبرى، والعقم السياسي، والعاجز الذي يقود أمته إلى الذبح".

خلاصة دراسته، يؤكد كناعنة أن العقم والإخصاء في الأدب الفلسطيني ليسا علامات موت بقدر ما هما صرخة ضد الموت، ووعي نقدي بالانسداد الذي تعيشه الأمة. يقول "العقم في الأدب الفلسطيني ليس موتًا، بل صرخة في وجه الموت. إنه تعبير عن لحظة الوعي بالعجز، وعن توق دائم إلى الخلاص. إن الشاعر الفلسطيني حين يقول (العقم)، إنما يقول الحرية المؤجلة، والحياة التي تنتظر ميلادها من رمادها".

ويخلص إلى أن الشعر الفلسطيني، في رمزيته العميقة، حوّل فكرة العقم من مأساة بيولوجية إلى مجاز حضاري وروحي، يفضح القهر السياسي والاجتماعي، ويعيد تعريف الخصوبة بوصفها قدرة على المقاومة والإبداع، لا على الإنجاب وحده.