العلاقات المتفاوتة والوساطات في المشهد الثقافي: بين تغييب الإبداع وهيمنة العلاقات
تُعدّ الساحة الثقافية العربية مرآةً تعكس واقعًا اجتماعيًا متشابكًا، تسوده في كثير من الأحيان العلاقات الشخصية والوساطات والمحسوبيات، التي باتت تتحكم في فرص المشاركة بالمؤتمرات والندوات، وعمليات النشر والطباعة في المجلات والصحف ودور النشر. هذه الظاهرة لا تمثل فقط خللًا في العدالة الثقافية، بل تكشف عن أزمة بنيوية في منظومة القيم والمعايير التي يُفترض أن تقوم عليها الحركة الإبداعية.
أولاً: اختلال معيار الكفاءة لصالح العلاقات
من المفترض أن تقوم المشاركة في الفعاليات الثقافية على أسس الجدارة الفكرية والكفاءة الإبداعية، إلا أن الواقع يكشف عن تغليبٍ واضح للاعتبارات الشخصية والعلاقات المتبادلة.
فكثير من الدعوات إلى الندوات والمؤتمرات لا تُوجَّه بناءً على قيمة المنتج الأدبي أو الفكري، بل وفقًا لمبدأ "من يعرف من"، مما أدى إلى تكوين نخبٍ مغلقة تحتكر المنابر والفرص. وبذلك تكرّست حالة من الطبقية الثقافية التي تتيح لبعض الأسماء التكرار الدائم في المحافل، بينما يُقصى المبدع المستقل الذي لا يملك سوى موهبته.
ثانيًا: استغلال الوظائف الثقافية وغياب النزاهة المؤسسية
من أبرز مظاهر الخلل أيضًا استغلال بعض العاملين بالمؤسسات الثقافية الرسمية أو شبه الرسمية لمناصبهم، لتحقيق مكاسب شخصية على حساب العدالة المهنية.
فقد أصبح مألوفًا أن نجد موظفًا في إحدى هذه المؤسسات يطبع عشرات الكتب باسمه على نفقة المؤسسة، أو يحصل على فرص السفر والمشاركة في المؤتمرات داخل وخارج البلاد دون وجه حق، في حين يُحرم منها المبدع الأجدر والأكثر استحقاقًا.
هذه الممارسات لا تُهدر فقط المال العام، بل تُفرغ المؤسسات الثقافية من دورها التنويري، وتحوّلها إلى منصات مغلقة تدور في فلك المصالح الشخصية، مما يقتل روح المنافسة الشريفة ويضعف الحراك الثقافي العام.
ثالثًا: انعكاسات الواسطة على جودة المحتوى الثقافي
حين تتحول الواسطة إلى بوابة العبور، تُصاب الثقافة بترهّلٍ نوعي، فبدلًا من أن تكون المؤتمرات فضاءً لتبادل الأفكار، تصبح مناسبات شكلية للتكريم المتبادل، ويُحتفى بالأسماء المكرّسة لا بالنصوص المتميزة.
تلك الممارسات تُسهم في تراجع مستوى المنتج الثقافي، وتُفقد المؤسسات مصداقيتها بوصفها حاضنةً للإبداع. كما تؤدي إلى فقدان الثقة لدى الجمهور في الجوائز والمناشط الثقافية، إذ يصبح الانطباع السائد أن "الفرص لا تُمنح للأفضل، بل للأقرب".
رابعًا: المبدع الحقيقي بين التهميش والصمود
أما المبدع الحقيقي الذي لا يملك واسطة أو سندًا مؤسسيًا، فيعيش معركته الخاصة مع التجاهل والإقصاء.
هو الذي يعمل بصمت، ويكتب بإخلاص، لكنه يجد الأبواب مغلقة لأن معيار الاختيار لا يقوم على الإبداع بل على العلاقات. ومع ذلك، يبقى هذا المبدع هو الضمير الصامت للمشهد الثقافي، لأنه يكتب للحياة لا للمنفعة، وللصدق لا للمجد الزائف.
وقد أثبت التاريخ أن المبدعين الذين حوربوا أو همِّشوا في حياتهم، هم أنفسهم الذين خلدتهم الذاكرة الثقافية، بينما ذهبت أسماء "الواسطة" إلى النسيان.
خامسًا: نحو منظومة ثقافية عادلة
إن إصلاح هذا الواقع يتطلب إعادة بناء المنظومة الثقافية على أسس من الشفافية والمساءلة.
يجب وضع معايير واضحة للمشاركات والطباعات الرسمية، وإخضاعها لرقابة حقيقية تضمن تكافؤ الفرص. كما ينبغي تفعيل دور النقاد والهيئات المستقلة في تقييم الأعمال بعيدًا عن العلاقات الشخصية، وإعادة الاعتبار إلى الكفاءة والموهبة بوصفهما الأساس الوحيد للاعتراف والتمثيل الثقافي.
خاتمة
إن العلاقات المتفاوتة والوساطات واستغلال المناصب في المجال الثقافي ليست مجرد ظواهر عابرة، بل هي مظاهر لخلل عميق في البنية الأخلاقية للمؤسسات الثقافية.
وإذا لم يُعَد الاعتبار للعدالة والمعيارية والشفافية، فإن الثقافة ستظل تدور في حلقة من التكرار والسطحية.
إن المستقبل الحقيقي للثقافة العربية لن يصنعه أصحاب الواسطة والمنافع، بل أولئك الذين يكتبون بإخلاصٍ، ويبدعون رغم الإقصاء، ويؤمنون أن الكلمة الصادقة أقوى من أي بابٍ مغلق أو منصبٍ زائل.