العنصرية في الكويت: الخطر الكامن في بنية الاستقرار الاجتماعي
تُعدّ العنصرية ظاهرة اجتماعية معقدة تتجاوز كَوْنَها خطاباً عدائياً على وسائل التواصل الاجتماعي، لتتحول إلى غول يهدد النسيج الاجتماعي. وفي السياق الكويتي، الذي تميّز تاريخياً بقدر كبير من الانفتاح والتسامح، يطرح تصاعد الخطاب الإقصائي استفهاماً مُلحاً وهو: إلى أي مدى يمكن أن تصمد الهوية الوطنية أمام محاولات إعادة تعريفها على أسس تمييزية؟
تشير الخبرات والتجارب التاريخية المقارنة إلى أن استقرار الدول لا يقوم فقط على الموارد الاقتصادية أو الأجهزة الأمنية، بل يرتكز بشكل أساسي على متانة العقد الاجتماعي وقدرته على الصمود. فالمجتمعات التي انزلقت إلى هوّة الانقسام، كما في الحالة اللبنانية أو التجارب الإفريقية، واجهت هشاشة سياسية وتنموية طويلة ومؤلمة.
في المقابل، استطاعت جنوب إفريقيا بعد مقاومة نظام الأبارتهايد (الفصل العنصري) أن تعيد إنتاج عقد اجتماعي جديد قائم على المساواة، الأمر الذي مكّنها من الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الوطني، وعلى الرغم من شدة التحديات الاقتصادية والسياسية. وقد أثبتت هذه التجربة أن الخروج من نفق العنصرية ليس مستحيلاً إذا توفرت الإرادة السياسية والحوار الداخلي.
في الكويت، يتجلى الخطر الأكبر في الخشية من انتقال العنصرية من مستوى التعبيرات الفردية في منصات التواصل إلى مستوى الممارسات غير المباشرة والخفيّة، من قبيل تهميش الكفاءات على أساس الانتماء، أو تقييد فرص المشاركة الاجتماعية والاقتصادية لفئات معينة، أو حتى تكريس مفهوم "المواطنة المتفاوتة". مثل هذه الممارسات لا تقوّض الثقة بالمؤسسات فحسب، بل تهدد الاستقرار المجتمعي ذاته على المدى الطويل.
ويُفاقم من خطورة هذا التحدي تورط بعض المغردين بتبني خطاب تحريضي ممنهج يثير النعرات والفتن ويستفز المشاعر بشكل متعمد. والمفارقة أن هذا الخطاب، الصادر عن أشخاص يُفترض فيهم النضج العقلي، يعكس طفولة ورعونة في الوعي السياسي والمسؤولية المجتمعية.
على سبيل المثال، انشغل المغردون في الجدل حول طبيعة "اللهجة الكويتية الأصيلة" والسخرية من نطق "الجيم" في بعض الجمل، أو قلبها إلى "ياء"، وبلغ التنمّر مداه، واعتبروا ذلك مقياساً للمواطنة الأصيلة. على الرغم من أن ظاهرة قلب الجيم إلى ياء تمثل تطوراً صوتياً لاحقاً في لهجة الحضر بالكويت، وليست من خصائص اللهجة القديمة.
إن التجربة الكويتية، بما تمثله من صيغة اجتماعية وسياسية متميزة في منطقة الخليج، تقوم أساساً على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص كأساس للحياة الوطنية المشتركة. والحفاظ على الاستقرار السياسي لا يمكن أن يُختزل في مظاهر القوة أو الوفرة الاقتصادية، بل يتطلب إحياءً مستمراً للعقد الاجتماعي عبر ترسيخ الشعور بالانتماء والمساواة.
من هذا المنظور، فإن مواجهة العنصرية ينبغي أن تتجاوز نطاق البيانات الخطابية، لتتحول إلى استراتيجية وطنية تشمل إصلاحاً تعليمياً يرسّخ قيم المواطنة والتعددية وصياغة تشريعات رادعة وواضحة تجرّم التمييز بجميع صوره قد تصل إلى حد اضطرار الدولة إلى إدخال المتنمّرين في وسائل التواصل إلى مصحات نفسية لتلقي العلاج المناسب.
في الختام، إن الوقاية عبر تبني سياسات استباقية واضحة تعزز ثقافة المساواة، وتبني خطاب إعلامي يعمل على ترسيخ صورة الهوية الوطنية كإطار جامع، يعد ضرورة مُلحة. فالتاريخ يعلّمنا أن الوحدة ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل هي العصب الأساسي والقاعدة المتينة لأي مشروع تنموي وسياسي ناجح. وبقدر ما نتعلم من أخطاء وتجارب الآخرين، بقدر ما نحصّن أنفسنا من تكرار المآسي التي دفعت شعوب أخرى ثمنها باهظاً.