القانون الدولي بين الحاجة إلى التجديد واستعادة المصداقية
أن تحتضن الرباط الدورة الثانية والثمانين لمعهد القانون الدولي بعد مرور أربعة عقود على انعقاد دورة القاهرة سنة 1987، هو حدث يتجاوز الطابع الأكاديمي والاحتفالي، فهو يعكس عودة إفريقيا إلى ساحة النقاش القانوني الدولي، كما يبرز مكانة المغرب كفضاء جامع لخبراء القانون والديبلوماسية، في مرحلة دقيقة يصفها العاهل المغربي الملك محمد السادس بـ"الرجة القوية" التي يتعرض لها النظام القانوني العالمي.
أولاً: تشخيص الأزمة الدولية
الرسالة الملكية سلطت الضوء على واقع دولي غير مستقر، حيث تتراجع اليقينيات وتتبدل التحالفات وتختلط المعايير. في مثل هذا السياق، أصبح القانون الدولي عرضة للانتهاك ومحدود القدرة على ضبط العلاقات الدولية. غير أن الخطاب لم يكتف بالإشارة إلى هذه المعضلات، بل أبرز أن التحدي يكمن في قدرة القانون الدولي على مواكبة التحولات المتسارعة بدل الاكتفاء بدور تقليدي متأخر عن الأحداث.
إشارة الملك إلى الأوبئة كمثال، تعكس بوضوح طبيعة التحديات الجديدة: قضايا عابرة للحدود تكشف هشاشة النظام الدولي، وتطرح أسئلة عميقة حول العلاقة بين السيادة الوطنية والتعاون الدولي، بين مقتضيات الأمن وضرورات التضامن. هنا يبرز البعد البنيوي للأزمة، بما يجعلها ليست مجرد انحرافات عابرة، بل تعبيرًا عن تحول في طبيعة العلاقات الدولية.
ثانيًا: المغرب ومقاربته القانونية
أكدت الرسالة أن السياسة الخارجية المغربية مبنية على احترام القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يشكل خيارًا استراتيجيًا وليس مجرد خطاب ديبلوماسي، فالملك محمد السادس شدد على أن أي نظام دولي لا يمكن أن يستمر دون قواعد واضحة ضابطة للسلوك الدولي.
وفي هذا الإطار، تبدو الرؤية المغربية براغماتية وواقعية: فاحترام القانون لا ينفصل عن التعاون، ولا يمكن أن ينجح في ظل الانعزال. الديناميات الدولية، كما أشار الخطاب، ليست مجرد موازين قوى بين الدول، بل منظومة قيم ومؤسسات قادرة على تأمين الاستقرار وإدارة المصالح المشتركة.
ثالثًا: دور معهد القانون الدولي
وجهت الرسالة الملكية دعوة صريحة للمعهد كي يستعيد مكانته كـ"صوت الضمير القانوني العالمي" وهي وظيفة طالما لعبها منذ تأسيسه سنة 1873، لكن التحدي اليوم لا يكمن في الحفاظ على هذا الإرث فحسب، بل في تطويره ليتلاءم مع قضايا المستقبل من الصحة والبيئة إلى الأمن السيبراني وتغير المناخ.
كما شدد العاهل المغربي على أهمية التسوية السلمية للنزاعات، والانفتاح على التنوع الثقافي والحضاري في صياغة القاعدة القانونية، بما يضمن تمثيلية أوسع ويعزز مصداقية النظام الدولي. انعقاد الدورة في الرباط، تحت رئاسة شخصية مغربية مرموقة في القانون الدولي، يعكس هذه الرؤية في بعدها العملي والرمزي معًا.
القانون كمنارة لا كمرآة
الرسالة الملكية حملت موقفًا هادئًا وحازمًا في آن: القانون الدولي مدعو إلى أن يكون منارة توجه العالم في أوقات الارتباك، لا مجرد مرآة تعكس توازنات القوة وتُشرعنها. وهو خطاب يضع المسؤولية على عاتق معهد القانون الدولي، لكنه في الوقت نفسه يعبر عن التزام المغرب بأن يكون جزءًا فاعلًا من الجهد الجماعي لاستعادة الثقة في القانون الدولي، وتكييفه مع تحديات المستقبل.