القفطان المغربي… حين يتحوّل خيطٌ من الذاكرة إلى قوة ناعمة تُعيد رسم صورة المغرب في العالم
الرباط - لم يكن إدراج القفطان المغربي، يوم 10 ديسمبر/كانون الأول، ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل محطة فارقة تعيد الاعتبار لواحد من أعمق التعبيرات الجمالية والاجتماعية في الهوية المغربية. ففي اجتماعها المنعقد بالهند، صادقت اللجنة الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي على الاعتراف بالقفطان كفنّ ومهارات وعادات مغربية أصيلة، كأنما تمنح العالم مفاتيح قراءة جديدة لروح هذا البلد.
هذا الاعتراف الأممي ليس مجرّد تتويج رمزي، بل نتيجة مسار طويل قادته المملكة المغربية تحت رعاية الملك محمد السادس، حيث حافظت السياسات العمومية على مركزية الثقافة داخل مشروع الدولة، واعتبرت التراث — بمختلف تجلياته — رصيدًا استراتيجيًا لا ينفصل عن الحداثة والتنمية. ولعل نجاح ملف القفطان يعكس عمق هذا الخيار؛ فالمملكة تقدّمت بملف دقيق وشامل، شاركت في صياغته وزارة الشباب والثقافة والتواصل والمندوبية الدائمة لدى اليونسكو، متضمّنًا قراءة تاريخية وجمالية وتقنية لمسار هذا اللباس عبر القرون.
لكن ما الذي يجعل هذا الاعتراف مختلفًا؟ لأن القفطان ليس مجرد لباس فخم، بل مخزونًا رمزيًا يختزن مهارات حرفية عريقة، وأدوارًا اجتماعية متوارثة، ومسارات للابتكار والإبداع النسائي، ولغة غير مرئية تروي تحولات المجتمع المغربي. تسجيله في قائمة التراث العالمي هو تثبيت لهويته الأصيلة في مواجهة موجات التبسيط الثقافي التي تفرضها العولمة، وهو كذلك دعم غير مباشر للصناعات الإبداعية المحلية ولآلاف الحرفيين الذين يصوغون بخيوطهم ذاكرة حيّة.
كما يحمل الاعتراف الدولي بالقفطان بعدًا دبلوماسيًا مهمًا؛ فهو يعزّز "القوة الناعمة" للمغرب، ويوسّع حضوره في الفضاء الثقافي العالمي، ويمنح روايته الحضارية مصداقية أكبر. إنه إعلان بأن المغرب ليس فقط بلدًا يملك تراثًا، بل بلد يعرف كيف يُثمّنه ويحوّله إلى قيمة مضافة اقتصادية وثقافية.
اليوم، وقد أصبح القفطان جزءًا من ذاكرة الإنسانية، يتعيّن تحويل هذا التقدير إلى سياسات مستمرة: دعم الحرفيين، حماية المهارات المهددة بالاندثار، تعزيز مسارات التكوين، وإعادة دمج القفطان في الصناعات الثقافية والسياحية بشكل يحفظ أصالته ولا يحوّله إلى سلعة منزوعة الروح.
في النهاية، ليس القفطان قطعة قماش تُعرض في متحف. إنه قصة وطن، وتاريخ نساء ورجال، وجمالية مغربية لا تزال قادرة على إبهار العالم. والاعتراف الأممي اليوم هو فرصة لكي نعيد اكتشاف هذا الرمز، لا كتراثٍ غابر، بل كطاقة مستقبلية تحمل هوية المغرب نحو آفاق جديدة.