إسبانيا وقرار 2797: حين يتحول الموقف السياسي إلى مراجعة استراتيجية شاملة

لم يكن ترحيب إسبانيا بقرار مجلس الأمن 2797 مجرد نقطة في بيان دبلوماسي تقليدي. ما صدر عن مدريد، في أعقاب الاجتماع رفيع المستوى مع المغرب، يكشف عن تحوّل استراتيجي محسوب يتجاوز لغة المجاملات، ليفتح الباب أمام إعادة صياغة موازين القوى في ملف الصحراء المغربية.

فالقرار الأممي، الذي يضع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل قابل للتطبيق وذي أفضليات واضحة، جاء في لحظة دقيقة، وسط اشتداد التوتر الإقليمي، اهتزازات سوق الطاقة الأوروبية، وتنامي التحديات الأمنية في الساحل. بهذا المعنى، لم يكن موقف مدريد رد فعل تقنيّاً على نص أممي، بل تجاوباً مع منطق جيوسياسي جديد بات يفرض نفسه على دول جنوب أوروبا.

من خطاب رمزي إلى التزام سياسي فعلي

ما يميز الموقف الإسباني الحالي أنه لم يعد يكتفي بترديد ما جاء في إعلان أبريل 2022 بين الملك محمد السادس ورئيس الوزراء الإسباني، بل أصبح يؤطّر نفسه ضمن خريطة الطريق الأممية ذاتها. هذا الانخراط العلني يمنح الرباط مكسباً استراتيجياً نادراً: دولة أوروبية مركزية، وعضو مؤثر في الاتحاد الأوروبي، تعترف بأن مقاربة المغرب ليست فقط “واقعية وذات مصداقية”، بل الأكثر قابلية للتنفيذ من منظور القانون الدولي وسياق التفاوض.

بهذا المعنى، تتحول إسبانيا من طرف مراقب إلى فاعل داعم، ومن دولة تربطها بالمغرب ملفات حدودية وهجرية إلى شريك يعيد تموضعه بشكل استراتيجي في معادلة الأمن الإقليمي.

حسابات مدريد: لماذا هذا الموقف الآن؟

يمكن قراءة الموقف الإسباني من عدة زوايا:

1  منطق المصالح المتبادلة
العلاقات الاقتصادية بين الرباط ومدريد بلغت مستويات غير مسبوقة. في عالم مضطرب، تحتاج إسبانيا إلى شريك مستقر جنوب المتوسط، وتحتاج كذلك إلى قنوات تنسيق فعّالة في ملفات الهجرة، الطاقة، الأمن البحري، ومحاربة شبكات التهريب والإرهاب.

2  قراءة براغماتية للتحولات الأممية
القرار 2797 هو انعكاس لمسار طويل: مجموعة من القوى الكبرى دفعت بالملف نحو خيار الحكم الذاتي باعتباره الحل الوحيد الذي يضمن الاستقرار الإقليمي ويعزز دور الأمم المتحدة. إسبانيا تدرك هذا التحول وتستثمر فيه مسبقاً.

3  استباق التوتر في الساحل والصحراء
مع تراجع الدور الفرنسي في المنطقة وصعود قوى جديدة، تجد إسبانيا نفسها أمام ضرورة بناء تحالفات ذات أساس صلب. والمغرب، باستقراره وتقدمه الاقتصادي، يشكّل حليفاً طبيعياً.

ما الذي تعنيه خطوة مدريد بالنسبة للمغرب؟

أولاً، هي إشارة قوية إلى أن المغرب نجح في جعل مبادرة الحكم الذاتي محوراً لا يمكن للقوى الدولية تجاهله.

ثانياً، تمنح الرباط دعماً أوروبياً إضافياً يساهم في:

تقوية موقعها التفاوضي؛

عزل الأطروحات الانفصالية؛

توسيع شبكة الاعتراف الدولي بالحل المغربي.

وثالثاً، تمهّد لبروز مرحلة جديدة: مرحلة التفاوض حول تفاصيل الحكم الذاتي، بما يشمل الجوانب الدستورية، المالية، الأمنية، والتنموية — وهي ملفات تحتاج إلى بلورة رؤية دقيقة ومؤسساتية.

التحديات التي لا تزال قائمة

رغم قوة الزخم الحالي، لا يمكن تجاهل مجموعة من التحديات:

الجزائر التي ترى في حل سياسي متقدّم تهديداً لنفوذها الإقليمي؛

استمرار الحملات الدعائية التي تشتغل على تشويه المبادرة المغربية؛

الحاجة إلى ضمان انخراط فعلي للسكان المحليين في البناء المؤسساتي الجديد.

هذه التحديات تجعل المرحلة المقبلة أكثر حساسية، لكنها أيضاً أكثر وضوحاً من الناحية الاستراتيجية: هناك مسار دولي واضح، وهناك دعم متزايد، وهناك ثقة دولية تتعزز لصالح المغرب.

 لحظة مفصلية يجب استثمارها

موقف مدريد من القرار 2797 ليس تفصيلاً. إنه تأكيد بأن نافذة الحل أصبحت مفتوحة على مصراعيها، وبأن مقاربة المغرب لم تعد خياراً من بين خيارات، بل الإطار المرجعي الوحيد القادر على إنتاج تسوية نهائية للنزاع.

المطلوب اليوم:

تسريع الإصلاحات المرتبطة بالحكم الذاتي؛

تعزيز التواصل الدولي والإقليمي؛

مواكبة التحولات الأممية برؤية سياسية واضحة.

فاللحظة ليست مناسبة لإدارة الأزمة، بل لإدارة الحل.