الكويت : من المباركية إلى تحديات النهضة
في تعقيبه على مقال سابق (حول سياسات القرار التعليمي في الكويت)، أشار عضو مجلس الشورى العُماني السابق الدكتور توفيق اللواتي، مشكورًا، إلى أن أحد الإجراءات المهمة لرفع مستوى التعليم العام هو صدور قانون يمنع أبناء المسؤولين من الالتحاق بالتعليم الخاص. وهذا الإجراء وجيه للغاية، ويأتي ـ باعتقادي ـ في صدارة الحلول، لكونه يقرّ سياسة "دمج النخب في التعليم العام".
تاريخيًّا، هذا الاقتراح ليس طارئًا على ثقافتنا التعليمية في الخليج عمومًا والكويت خصوصًا؛ فقد انتظم في صفوف المدارس الحكومية ـ كمدرسة المباركية والأحمدية والشرقية ـ أبناء الأسرة الحاكمة وأبناء التجار وكبار المسؤولين في الدولة جنبًا إلى جنب مع أبناء الشعب، وفي الصفوف نفسها، مما خلق بيئة من المساءلة المجتمعية والاهتمام بجودة التعليم.
أما الأستاذ والكاتب الكويتي كمال الخرس، فقد لفت انتباهي إلى أن أنظمتنا التعليمية ما زالت عالقة في أساليب قديمة، تقوم على العنف اللفظي والمباني التقليدية التي تعامل التلاميذ كالمجندين، بينما تخلّت عن هذه الأساليب الدول المتقدمة مثل أوروبا واليابان وسنغافورة، والتي اعتمدت على فكرة محورية عنوانها: "مناهج أقل وتعليم أكثر".
وأضيف إلى ما أورده الأستاذان الفاضلان، ضرورة تطوير "نظام التقييم الشامل" القائم على قياس كفاءة الطلاب، متجاوزًا النموذج التقليدي القائم على الحفظ والتلقين. هذا المنحى يتوافق مع نظريات القياس التربوي الحديثة التي تركز على تقييم المهارات العليا في التفكير النقدي والإبداع، كما تؤكده معايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في اختبارات بيزا الدولية.
أما المحور الرابع، فمن الأهمية البدء بإنشاء "مرصد وطني للجودة التعليمية" كمؤسسة مستقلة تراقب أداء النظام التعليمي وتقيس مؤشرات الجودة وفق معايير علمية. ويقوم هذا المرصد بمهام حيوية مثل: قياس الفجوة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، وتقييم فاعلية المناهج وطرق التدريس دوريًّا، إلى جانب رصد مؤشرات الرضا الوظيفي للمعلمين، وإجراء مقارنات دولية لمستوى الطلاب.
أما المحور الخامس، فيركز على بناء "استراتيجية التطوير المهني المستمر" للمعلمين. وتشير البحوث التربوية إلى أن أنجح النظم التعليمية تركز على تطوير قدرات المعلمين عبر برامج الإثراء التربوي. وتقدّم تجربة ماليزيا نموذجًا يستحق الدراسة، حيث أسهمت معاهدها المتخصصة في ارتقاء تصنيف معلميها من متدنٍّ إلى متقدم خلال عقدين فقط.
وينبه المحور السادس إلى أن إهمال التعليم العام يحوّله من حق أساسي إلى سلعة بيد التجار، مما يعزز وجود سوق مربح للتعليم الخاص غير المنضبط. لذا، ينبغي على الوزارة تحديد سقف أعلى لرسوم المدارس الخاصة، بالإضافة إلى تشجيع إنشاء "مدارس خاصة غير ربحية"، أو فرض شراكات بين المدارس الخاصة والعامة لتعم الفائدة.
ويؤكد المحور السابع على ضرورة إدراك أصحاب القرار التربوي للأسس الفلسفية الحقيقية للتطوير. فالتطوير الحقيقي لا يعني الانقطاع عن الماضي، وإسقاط صفحات مهمة من التاريخ السياسي الكويتي، وإنما يعني إعداد مناهج عصرية خالية من الحشو، تحافظ على الهوية وتنمّي مهارات التفكير النقدي والإبداعي، لتحويل الطالب من مجرد خزان للمعلومات إلى باحث نشط وقادر على حل المشكلات.
ومن الناحية الإجرائية، أقترح اعتماد منهجية "الشراكة الاستراتيجية في التخطيط التربوي"، التي تشمل جميع أصحاب المصلحة (وزارة، إدارة، مدرسة، ولي أمر، وطالب)، مع وضع مؤشرات أداء قابلة للقياس وآليات للمحاسبة على النتائج.
فإصلاح التعليم يتطلب رؤية استراتيجية شاملة تستلهم نجاحاتنا التاريخية وتطورها ضمن منظور حديث، وهي عملية لا تتطلب سوى إرادة سياسية واجتماعية تعطي الأولوية للتعليم كمشروع وطني يستثمر في رأس المال البشري، بوصفه الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة.