المعارضة المعلبة: انتقادات بلا أنياب في مناطق المليشيات الحوثية!
تظهر بين الحين والآخر أصوات من داخل مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية، سواء لشخصيات عامة أو قبلية أو سياسية أو ثقافية، تنتقد ممارسات الحوثيين أو تشير إلى بعض اختلالاتهم.
وفي المقابل تسارع بعض وسائل الإعلام المحسوبة على الحكومة الشرعية إلى إبراز هذه الأصوات وكأنها استفاقت من سباتها، أو عادت إلى جادة الصواب، وأحيانا تقدّم وكأنها مقدمة لانشقاق وشيك عن صفوف الميليشيات الحوثية، هذا التناول في كثير من الأحيان، يعكس قراءة سطحية وضيقة للواقع، ويتجاهل طبيعة السيطرة الأمنية الحوثية، وآليات إدارة المجال العام في مناطق نفوذها.
الواقع الميداني يؤكد أن الحوثيين يمارسون قبضة أمنية صارمة على كل الشخصيات الناشطة أو ذات الحضور السياسي والاجتماعي، سواء كانت منضمة للميليشيات أو متعاونة معها، بما في ذلك من أُتيح لها دور سياسي أو اجتماعي أو إعلامي محدود داخل المنظومة، فالميليشيات الحوثية لا تمنح تلكم الشخصيات ثقتها الكاملة، بل تبقيها تحت انظارها، وتتعامل معها بقاعدة الاستخدام المؤقت وفق الحاجة، مع استعداد دائم للتخلص منها متى ما انتهت صلاحيتها!
ما تسمح به المليشيات الحوثية من نقد داخل مناطق سيطرتها، لا يتجاوز في العادة ملاحظات حول الفساد الإداري، أو انتقادات جزئية لاحتكار الموارد من قبل طبقة معينة، أو شكاوى من التضييق على الحريات، وغالبا ما يقدم النقد بلغة رمزية أو مبطنة، وبأسلوب يحول دون استفزاز الأجهزة الأمنية.
أما الخطوط الحمراء التي لا يسمح بتجاوزها فتشمل: نقد الفكر الأيديولوجي الحوثي أو منطلقاته العقائدية، والتعرض لقيادات الصف الأول، خصوصا من هم من الأسر الهاشمية، والتشكيك بشرعية سلطة الميليشيات نفسها.
من الصعب جدا حدوث انشقاق فعلي لشخصيات ذات وزن سياسي أو اجتماعي من مناطق سيطرة الحوثيين، يعزو ذلك لبطش المليشيات الحوثية، التي لا تتسامح مع أي خروج فعلي عن سلطتها، خصوصا من الشخصيات المؤثرة، إضافة إلى الخوف على المصير الشخصي والعائلي، فالانشقاق يعني المخاطرة بالحياة وبمصير الأسرة، وأيضا حسابات المصلحة، فكثير من الراغبين في الانضمام إلى صفوف الشرعية يريدون الحفاظ على مواقعهم الاجتماعية والسياسية، أو الحصول على امتيازات مالية وسلطوية تعوضهم عن خسارتهم في مناطق الحوثيين.
التعامل الإعلامي من قبل إعلاميي السلطة الشرعية الذي غالبا ما يتسم بالتضخيم من حجم وتأثير تلك الأصوات، ويصورها كبداية لانهيار وشيك للحوثيين، يمثل شكلا من التضليل السياسي الذي قد ينقلب عكسيا على الشرعية، عبر خلق توقعات وهمية لدى الشارع ثم إحباطه لاحقا، عبر الخلط بين النقد الداخلي المسموح به الذي يخدم أحيانا الحوثيين لإظهار صورة التنوع، وبين الانشقاق الفعلي المكلف أمنيا وشخصيا.
الموقف الأمثل للتعامل مع المنشقين هو الترحيب بمن يترك الحوثيين وينضم للشرعية، والتعامل معهم كمواطنين، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، بعد الاعتراف بأخطائهم، دون منحهم مواقع قيادية أو امتيازات سلطوية، فمنح المناصب على حساب المخلصين للشرعية يعد خطأ استراتيجيا، ويفسر بأنه مكافأة لمن تعاون مع الحوثيين.
ظهور أصوات ناصحة أو منتقدة في مناطق الحوثيين لا يعني بالضرورة بداية انهيار المنظومة، أو أن تلك الأصوات صادقة، في الغالب تلكم الأصوات تتحرك ضمن مساحة محدودة تسمح بها الميليشيات الحوثية إما لتنفيس الاحتقان أو لإيصال رسائل داخلية وخارجية، كما ان التوظيف الإعلامي غير الواعي لهذه الظاهرة يضر بمصداقية الخطاب الإعلامي المناهض للمليشيات الحوثية ويغذي الأوهام على حساب التحليل الواقعي. المطلوب هو فهم ديناميكيات السيطرة الحوثية على المجتمع، وآليات ضبط المجال العام، بدلا من الاكتفاء بتفسير أي صوت ناقد على أنه مؤشر لتغيير جذري ووشيك.