المعركة الصفرية بين إسرائيل وحماس تعرقل المفاوضات

مصر وقطر لا تريدان تحميل المسؤولية لأحد بعينه، إسرائيل أو الولايات المتحدة أو حماس، لأنهما كوسيطين يجب أن يكونا على قدر من الحياد.

يحتار الكثيرون ممن تابعوا الدراما السياسية التي شهدتها المفاوضات بين إسرائيل وحركة حماس، بوساطة مصرية – قطرية – أميركية، في اليومين الماضيين، فبعد أن ظهرت مؤشرات إيجابية على توقيع اتفاق هدنة جديد لمدة ستين يوما، تتخللها محادثات حول وقف الحرب على قطاع غزة، كالت الولايات المتحدة وإسرائيل الاتهامات لحماس بذريعة تشددها وعدم حُسن ونواياها، والإشارة إلى خيارات بديلة أكثر خشونة لاسترداد الأسرى والمحتجزين لديها وهزيمة حماس.

على عكس هذا الاتجاه، أصدرت مصر وقطر بيانا مشتركا، مساء السبت، يؤكد أن المفاوضات ستستأنف قريبا، وسحب الوفدين الأميركي والإسرائيلي تم بهدف التشاور، ما يحمل تكذيبا ضمنيا للرواية التي ساقها مسؤولون كبار في واشنطن وتل أبيب لتبرير استدعاء الوفدين، وأن هناك دوافع سياسية تقف خلف عمليتي الاستدعاء المشترك، لأن رسائل سابقة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل نوّهت إلى أن التوصل إلى صفقة بات قاب قوسين أو أدنى.

ما هي الحلقة المفقودة لفهم التراجع، ولماذا أصدرت القاهرة والدوحة بيانا مشتركا متفائلا بعد ساعات قليلة من تصريحات أميركية وإسرائيلية متشائمة، هل تريدان تبرئة ذمتيهما وإلقاء التبعة على آخرين، أم تأكيد أن العملية السياسية لم تنهر؟

هناك أكثر من حلقة مفقودة في المسارات التي خيمت على عملية المفاوضات، أولها أن إسرائيل تتعرض إلى ضغوط داخلية كبيرة لوقف الحرب، جعلتها تقدم تنازلات إلى حماس في مسألة خرائط الانسحابات، وفهمته الحركة أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ماض في هذه الصفقة تحت أيّ ظرف، ما جعلها تتشدد قليلا في الخرائط وتقبل إطالة أمد المفاوضات، على أمل أن تبدو رابحة سياسيا، أو بمعنى أدق تحرم إسرائيل من أهدافها، في إطار معركة صفرية يخوضها الطرفان.

والحلقة الثانية، وهي مكملة للأولى، أن المجتمع الدولي زاد من ضغوطه المعنوية على إسرائيل، وتحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن اعتراف باريس بالدولة الفلسطينية، الأمر الذي فسرته حماس لصالحها، ويمكنها من تسجيل هدف جديد في مرمى نتنياهو، وعلى الحركة انتهاز الفرصة لتصوير الأمر كأنه مكسب لها بحجة صمودها، وهو ما فهمته إسرائيل والولايات المتحدة، في ظل مشاهد إنسانية بدأت تثير اشمئزاز الرأي العام الدولي، كانتصار لحماس يدفعها لعدم إبداء مرونة مرجوة منها.

والحلقة الثالثة، تتعلق بأن قبول الصفقة وفقا للسياقات الراهنة وما سوف تقود إليه من وقف للحرب تاليا، يعني هزيمة سياسية لنتنياهو، حاول تجنبها كثيرا، وإعلانه الانسحاب يحمّله مسؤولية دقيقة أمام أهالي الأسرى والمحتجزين الذين ضاعفوا من احتجاجاتهم مؤخرا، ولذلك لجأ إلى الإدارة الأميركية كي تعلن من جانبها فشل المفاوضات، ووضع العبء على عاتق حماس، ويبتعد قليلا نتنياهو عن الواجهة، ما يفسر إعلان المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف الفشل، ثم وضع الرئيس دونالد ترامب الكرة في ملعب حماس، وبالتالي لا يبدو نتنياهو سببا مباشرا في الانسحاب، وهو الاتهام الذي لاحقه دوما، وهذه المرة تتحمل واشنطن المسؤولية نيابة عنه.

لجأت مصر وقطر إلى الدبلوماسية الرشيدة عبر إصدار بيان إيجابي مشترك، لفتح نافذة أمل للمستقبل القريب لعودة المفاوضات، حيث تعلمان أن إسرائيل والولايات المتحدة تريدان المضي في الصفقة، لكن لا ترفضان خروج حماس رابحة وبحوزتها مكاسب سياسية، فوفقا للنظرية الصفرية المعروفة، مكاسب حماس = خسائر لنتنياهو، والعكس صحيح، كما أن حركات المقاومة عموما لا تعترف كثيرا بالخسائر العسكرية والبشرية، وتعتقد أن حرمان الخصم من تحقيق أهدافه مكسب في حد ذاته.

حتى الآن لم تتمكن إسرائيل من القضاء تماما على حركة حماس وتجردها من كل أسلحتها وتنهي مقاومتها في غزة، فضلا عن عدم قدرتها على استرداد الأسرى بالقوة، وأثبتت المعارك خلال نحو 22 شهرا أن الآلة العسكرية وحدها غير قادرة على تحقيق كل ما أراده نتنياهو، وما يمنح حماس فرصة للمناورة أن إسرائيل جربت أنواعا مختلفة من القوة معها ولم تتمكن من إجبارها على الرضوخ، ما يجعل المحادثات على مستقبل غزة ومصير حماس مشكوك فيهما، وأن أهداف نتنياهو وترامب بشأن ترتيب الأوضاع بالصورة التي يريدانها للقطاع قد لا تتحقق، وهو أيضا مكسب رمزي لحماس، لا يريده لها رئيس الحكومة الإسرائيلية المتطرفة.

بالطبع لا تريد مصر وقطر تحميل المسؤولية لأحد بعينه، إسرائيل أو الولايات المتحدة أو حماس، لأنهما كوسيطين يجب أن يكونا على قدر من الحياد، والاحتفاظ بمسافة واحدة من جميع الأطراف، حتى لو أن تصرفات واشنطن منحازة إلى جانب تل أبيب، فما يمكن تقبله منها يصعب تقبله من القاهرة والدوحة، وهما تريدان الاحتفاظ بزخم نسبي في العملية السياسية، وعدم إطلاق المجال مفتوحا للعمليات العسكرية، التي تضاعف من المأزق الإقليمي، فكما أطلق طوفان الأقصى شرارة حروب على لبنان وسوريا واليمن والعراق وإيران والضفة الغربية، يمكن أن يؤدي استمرار حرب غزة إلى أجل غير مسمّى إلى حروب أخرى أشد صعوبة.

المشكلة الحقيقية أو المأزق العميق أن نتنياهو يعتبر الفوز الكاسح في حرب غزة هو تركيع حماس، وعدم خروجها بأيّ مكسب معنوي، والحركة تعلم ذلك جيدا وتريد حرمانه، وكلاهما لا يبدي اكتراثا كبيرا بالضحايا من الفلسطينيين، وربما يحوي تضخم الخسائر البشرية وصور المعاناة الإنسانية مكاسب لكل منهما، فرئيس حكومة إسرائيل يعتبر كثافة الضحايا في صالح تخفيض عدد سكان القطاع وفقا لمخطط التهجير، طوعيا أو قسريا، وإرهاب من تبقى منهم للهروب خارجه تحت وطأة المعاناة، وحركة حماس ترى أن صور الضحايا كفيلة بتأجيج مشاعر الرأي العام الدولي ضد إسرائيل، وأن قوات الاحتلال لم تستطع النيل من عناصر المقاومة فتقوم باستهداف أكبر للمدنيين والنساء والأطفال.

تشير اللعبة التي يجيدها نتنياهو وحماس إلى عملية كسر عظم سياسية، وليست عسكرية، ويعلم الأول أن الرهان على الوقت للتخلص من حماس وأكبر عدد من سكان غزة بدأ ينفد، بينما لا تزال الحركة ترى أن الوقت يصب في صالحها، وكلما صمدت في مواجهة الآلة العسكرية الجبارة أوحت أنها لم تخسر معركتها بعد، وهو ما يجعل عملية المفاوضات في القاهرة والدوحة عصية على تحقيق اختراق كبير يفضي إلى هدنة، ومنها إلى وقف الحرب.

ما لم تظهر فكرة براقة ويتم تقديمها بطريقة لائقة، أو القضاء على كل قدرات حماس، سوف تظل المراوحة مستمرة، وهي الأقرب حاليا، لأن الفكرة البراقة أو القضاء على حماس تماما، من العمليات الصعبة في معركة تدور بين طرفين متناقضين يريد كلاهما نسف الآخر، خاصة أن الولايات المتحدة التي تملك مفاتيح الكثير ممّا يجري في المنطقة، لا تبدي رغبة أكيدة لوقف الحرب، كأنها تنتظر شيئا ما يتحقق كي تتدخل.