المغرب… حين تتحول مكافحة الحرائق إلى سياسة خارجية ناعمة

المغرب بصدد صياغة معادلة جديدة للدبلوماسية، أساسها القوة الناعمة العملية.

لا يكفي أن تكون لك طائرات متطورة لمكافحة الحرائق، ولا أن تملك أطقمًا مدرَّبة قادرة على التدخل في أصعب الظروف. القيمة الحقيقية تكمن في كيف توظف هذه الإمكانات، وفي أي سياق سياسي تختار أن تضعها. هذا بالضبط ما يقوم به المغرب اليوم، وهو يرسل طائراته من نوع Canadair أولاً إلى البرتغال، ثم إلى إسبانيا، ليقول بلغة الأفعال: التضامن في زمن الأزمات هو السياسة الخارجية الأكثر تأثيراً.

قد يظن البعض أن الأمر لا يتعدى كونه مساعدة تقنية لجيران يواجهون نيراناً مستعرة، لكن قراءة متأنية تكشف أن المغرب بصدد صياغة معادلة جديدة للدبلوماسية، أساسها القوة الناعمة العملية، فالطائرة التي تقلع من قاعدة مغربية لتُسهم في إخماد حريق في لشبونة أو مدريد، تحمل معها أكثر من ماء، إنها تحمل رسالة سياسية قوية: المغرب ليس مجرد جار على الضفة الجنوبية، بل شريك موثوق حاضر في لحظة الحاجة.

وهذا الحضور ليس عابراً. حين يستجيب المغرب لنداء البرتغال ثم يمد يد العون لإسبانيا في ظرف زمني متقارب، فإنه يرسم مساراً استراتيجياً متدرجاً: من مبادرة إنسانية إلى بناء ثقة سياسية، ومن إغاثة عاجلة إلى شراكة مستدامة. إننا أمام ما يمكن تسميته بـ"دبلوماسية مكافحة الحرائق"، حيث يتحول التضامن الميداني إلى أداة لإعادة صياغة العلاقات بين الضفتين.

المكاسب هنا متعددة. على مستوى الصورة، يتجسد المغرب أمام الرأي العام الأوروبي كفاعل إيجابي، يترك أثراً ملموساً في إنقاذ الأرواح والغابات. وعلى مستوى السياسة، يُعزّز موقعه التفاوضي في ملفات أكثر تعقيداً، من الهجرة إلى الطاقة. بل إن هذه المبادرات تضعه في قلب النقاش الأوروبي حول الأمن المناخي، باعتباره عنصراً فاعلاً لا يمكن تجاوزه.

لكن الأهم من ذلك، أن المغرب يبعث برسالة أبعد مدى: أن التحديات المناخية لم تعد شأناً داخلياً، بل جزءاً من أمن جماعي متوسطي. وأن الدول التي تبادر إلى التعاون العملي، هي وحدها القادرة على مواجهة عالم يزداد هشاشة أمام الكوارث.

لقد اعتدنا أن تُبنى الدبلوماسية بالتصريحات والبيانات المشتركة. المغرب يبرهن اليوم أن الدبلوماسية يمكن أن تُبنى أيضاً بصوت محركات Canadair وهي تعانق السماء، وبأثر قطرات الماء وهي تخمد ناراً في غابة إيبيرية. هذه ليست تفاصيل تقنية، بل هي سياسة خارجية بحجم جديد، حيث تتحول القدرة على التضامن إلى أداة استراتيجية، وحيث يصبح العمل الميداني أبلغ من أي خطاب.

من هنا، لا يبدو أن تدخّل المغرب في البرتغال ثم في إسبانيا مجرد استجابة ظرفية، بل هو بداية لتقليد دبلوماسي جديد: أن تكون حاضراً حيث يحتاجك الآخرون، فتربح ودهم وثقتهم، وتكتب في صمت صفحة جديدة من النفوذ الإيجابي.

إن ما يميز هذا النهج ليس مجرد تقديم المساعدة، بل تأثيرها المستدام على الثقة والتعاون طويل الأمد، فالنجاحات الميدانية في البرتغال وإسبانيا تُترجم إلى رصيد دبلوماسي يمكن استثماره في تعزيز التعاون المتوسطي، وفتح آفاق لمبادرات مشتركة في الوقاية من الكوارث، التدريب، وتبادل المعلومات المناخية.

في النهاية، المغرب يثبت أن الأمن الجماعي في منطقة البحر المتوسط لم يعد مسؤولية طرف واحد، وأن الدبلوماسية الفاعلة لا تقتصر على اللقاءات والاجتماعات، بل تتحقق حين تتحول الأفعال الميدانية إلى سياسة خارجية استراتيجية.

الطائرات المغربية ليست مجرد أدوات إطفاء، إنها رموز لإعادة صياغة النفوذ الإقليمي، عبر الفعل العملي والتضامن الملموس، وهو ما يجعل المغرب لاعباً محورياً لا يمكن تجاوزه في أمن ومستقبل المتوسط.