المغرب والاتحاد الأوروبي: نحو ميثاق متوسطي جديد يليق بتحديات العصر

من الرباط، وفي لحظة سياسية دقيقة، حملت زيارة المفوضة الأوروبية المكلّفة بشؤون البحر الأبيض المتوسط، دوبرافكا شويكا، رسائل تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية. فالحديث عن المغرب اليوم لم يعد مجرد إشادة بروتوكولية، بل أصبح توصيفاً لمكانة دولة استطاعت أن تتحول من "شريك تقليدي" للاتحاد الأوروبي إلى فاعل استراتيجي يشارك في صياغة مستقبل المنطقة المتوسطية برمتها.

المغرب… من الجغرافيا إلى الجيوسياسة
عندما تصف المفوضة الأوروبية المغرب بأنه "نموذج يحتذى به"، فإن الأمر يتجاوز ديباجة المجاملات الدبلوماسية. إنه اعتراف صريح بأن المملكة باتت حجر الزاوية في معادلات الأمن والاستقرار والتنمية على ضفتي المتوسط. فالمغرب لم يكتفِ بموقعه الجغرافي كبوابة لإفريقيا، بل بنى لنفسه موقعاً جيوسياسياً يجعله همزة وصل حقيقية بين أوروبا والعالم الإفريقي، وبين الضفة الشمالية والجنوبية للحوض المتوسطي.

شراكة تتجاوز الملفات التقنية
حديث شويكا عن "شراكة متقدمة جداً" يكتسب دلالات عميقة في سياق دولي متوتر، حيث تفرض التحديات الكبرى – من الهجرة إلى الإرهاب والجريمة المنظمة – تنسيقاً غير مسبوق. والمغرب لم يعد شريكاً يتلقى التعليمات أو الدعم فحسب، بل أصبح مساهماً في صياغة الاستراتيجيات الأوروبية، خصوصاً في ملفات تدبير الهجرة والانتقال الطاقي والأمن الإقليمي.

الميثاق الجديد: من برشلونة 1995 إلى الرباط 2025
الحديث عن "ميثاق جديد للبحر الأبيض المتوسط" بمناسبة الذكرى الثلاثين لإعلان برشلونة ليس صدفة تاريخية، بل إقرار بأن نموذج الشراكة القديم استنفد طاقته، وأن المنطقة باتت بحاجة إلى صيغة أكثر شمولاً واستدامة. واحتضان المغرب لـ"الخلوة رفيعة المستوى حول مستقبل العلاقات الأورومتوسطية" يجعله شريكاً في صياغة هذا الميثاق، لا مجرد طرف معني به.

الميثاق المرتقب يقوم على ثلاث ركائز جوهرية:

وضع الإنسان في صلب السياسات، عبر التنمية الشاملة والتعليم والتشغيل.

تعزيز القدرات الاقتصادية من خلال الاستثمار والتكامل الإقليمي.

التعاون الأمني والمرونة في مواجهة التحديات العابرة للحدود.

المغرب لاعب استباقي
ما يميز المغرب في هذا السياق هو مقاربته الاستباقية: من رهانه على الطاقات المتجددة وإزالة الكربون، إلى دبلوماسيته الهادئة والفعالة في ملفات الساحل والهجرة، مروراً بالتزامه بسياسة خارجية براغماتية ومتوازنة تضعه في موقع شريك موثوق لأوروبا.

نحو فضاء مشترك للسلام والازدهار
إذا كان الاتحاد الأوروبي يبحث اليوم عن شريك موثوق به في جنوب المتوسط، فإن المغرب يبدو الجواب الطبيعي. غير أن الرهان الحقيقي يكمن في الانتقال من خطاب "الشراكة" إلى بناء فضاء متوسطي مشترك يضمن الرفاه والاستقرار والأمن لشعوب الضفتين.

إن زيارة شويكا ليست نهاية المطاف، بل بداية مرحلة جديدة من الحوار الاستراتيجي، حيث يتحول المغرب من "حالة خاصة" في الجوار الجنوبي إلى حليف متكامل يشارك أوروبا الرؤية والقرار.