المغرب وسراب الانحدار: تفكيك سردية لوموند

المغرب لا يحتاج لدروس ديمقراطية من صفحات رأي تتردد في مساءلة أوضاعها الداخلية. شرعيته مستمدة من التاريخ، والإصلاح الدستوري، والإنجازات التنموية. نجاحاته في البنية التحتية والدبلوماسية تعكس مساره أكثر من لغة "النهاية" التي تستهوي الأقلام.

حين تلتفت لوموند، إحدى أكثر الصحف الفرنسية تأثيرًا، إلى المغرب، فإن الصدى لا يكون محايدًا أبدًا. مقالاتها تتردد أصداؤها في العواصم الأوروبية، وفي مجالس إدارة الشركات الكبرى، وفي مراكز التفكير، لترسم صورة المملكة في أعين صناع القرار. لهذا السبب يستحق مقالها الأخير بعنوان "في المغرب، أجواء نهاية حكم لمحمد السادس" قراءة دقيقة.

العنوان الموحِي يدعو القارئ لتخيّل المغرب وكأنه عالق في مرحلة أفول، وملكيته تتلاشى تدريجيًا، لكن خلف هذا الإخراج الدرامي، تقف أسس هشة: مزيج من الحكايات الشخصية، والانطباعات العابرة، والكليشيهات المستهلكة، التي تحجب أكثر مما تكشف.

كليشيهات بدل التحليل

يُعيد مقال لوموند إنتاج الصور النمطية ذاتها: الملك محمد السادس يُصوَّر غائبًا عن الحكم وحاضرًا كرمز للتكهنات في آن واحد. حتى اختفاء كلبه لفترة قصيرة يُقدَّم كدليل على هشاشة الدولة، وصور الملك في لحظات خاصة تُفسَّر لا كحياة شخصية طبيعية، بل كرمز لـ"الإهمال".

هذا ليس تحليلًا بنيويًا، بل مسرحية هدفها صناعة جو عاطفي أكثر من تقديم فهم موضوعي. عبارات مثل "الملك الشبح" أو "نهاية الحكم" تُستَخدم وكأن مسار المغرب السياسي يمكن اختزاله في استعارة واحدة عن الانحدار.

الصحافة الجادة تتطلب ما هو أبعد: فحص المؤسسات، والإصلاحات، والتحولات، لا تحويل القيل والقال إلى رموز سياسية.

الشرعية الثلاثية للمغرب

على عكس سردية التآكل، فإن شرعية المغرب تراكمية ومتعددة الأبعاد:

شرعية تاريخية: يجسدها عقد البيعة الذي وحّد بين العرش والشعب على مدى قرون، متجاوزًا الاستعمار والتحولات الإيديولوجية.

شرعية دستورية: تعززت سنة 2011 مع دستور جديد منح البرلمان صلاحيات أوسع، وكرّس استقلال القضاء، واعترف بالتعددية الثقافية.

شرعية الإنجاز: قائمة على نتائج ملموسة مثل القطار فائق السرعة، مجمع نور للطاقة الشمسية، ميناء طنجة المتوسط، توسيع التغطية الاجتماعية، وأجندة متقدمة للطاقات المتجددة هي الأبرز في إفريقيا.

هذه الشرعية لا تُقاس بالانطباعات العابرة، بل عبر الاستمرارية التاريخية، والتصميم المؤسسي، ونتائج التنمية.

إنجازات غابت عن المشهد

ما يجعل تصوير لوموند غير متوازن هو ما تجاهلته، فالمغرب في 2025 ليس بلدًا متجمّدًا، بل في خضم تحول هيكلي.

إصلاح مؤسساتي: الجهوية المتقدمة تُعيد توزيع السلطة، والإصلاحات القضائية توسّع من دائرة المساءلة.

تنويع اقتصادي: المغرب أصبح أول مصدر للسيارات في إفريقيا، وبنى صناعة طيران متنامية، ويستعد لدور محوري في الهيدروجين الأخضر.

إصلاح اجتماعي: التغطية الصحية الشاملة وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية من أكثر المشاريع طموحًا في المنطقة.

دبلوماسية نشطة: المغرب وسيط موثوق في أزمات إفريقية، وشريك مستقر لأوروبا والخليج.

صحيح أن التحديات قائمة: بطالة الشباب، التفاوتات الاجتماعية، ونواقص في الحكامة. لكن الصحافة المنصفة تضع هذه الانتقادات في سياق أوسع، لا أن تختزل الصورة في سلبيات منتقاة.

الديمقراطية كمسار لا كحكم قطعي

غالبًا ما تتعامل التغطيات الغربية مع الديمقراطية كمقياس جامد: الدول إما "ديمقراطية كاملة" أو "سلطوية". تجربة المغرب تكسر هذا المنطق الثنائي.

منذ 2011 توسعت التعددية السياسية والحريات المدنية. الانتخابات لا تزال تنافسية، والتداول السلمي على السلطة ــ آخرها سنة 2021 ــ دليل على مرونة المؤسسات. اختيار المملكة نهج الإصلاح التدريجي يعكس التزامًا استراتيجيًا بالاستقرار في محيط مضطرب.

السؤال ليس ما إذا كان المغرب بلغ النموذج المثالي للديمقراطية، بل ما إذا كان يتقدم نحو مشاركة أوسع وسيادة للقانون. الأدلة تقول نعم. والنهج التدريجي لا يعني الجمود.

ازدواجية المعايير

الأكثر إثارة للقلق في تغطية لوموند هو الكيل بمكيالين. عيوب المغرب تُضخّم، بينما اختلالات مماثلة أو أعمق في أماكن أخرى تُخفّف. فرنسا نفسها تعاني من تراجع الثقة بالناخبين، احتجاجات اجتماعية، وتركيز في ملكية الإعلام، ومع ذلك لا تُوصَف بأنها في "نهاية نظام".

الجزائر، الجار الشرقي للمغرب، تعيش على وقع اضطرابات متكررة تحت هيمنة عسكرية غامضة، لكنها نادرًا ما تُواجَه بنفس الخطاب الإنذاري. الانتقائية تُقوّض المصداقية: فالنقد الذي ينفصل عن المقارنة المنهجية يتحول إلى مسرح سياسي بدل تحقيق صحفي.

مسؤولية الصحافة

المشكلة ليست في النقد بحد ذاته، فالمغرب ليس بمنأى عن المساءلة ولا ينبغي أن يكون. الإشكال في استبدال التحليل الرصين بالانطباعات، والسياق بالكاريكاتور. حين تُستَبدل الحقائق بالبديهيات المتخيلة، تفشل الصحافة في مهمتها الأساسية: الإخبار والفهم.

هذه السرديات ليست بلا أثر، فهي تؤثر في ثقة المستثمرين، وحسابات الدبلوماسيين، والرأي الدولي. عبر تصوير المغرب كدولة على حافة الانهيار، يخاطر لوموند بتكريس صور نمطية تعيق الفهم بدل أن تعززه.

ما وراء سراب الانحدار

المغرب لا يحتاج لدروس ديمقراطية من صفحات رأي تتردد في مساءلة أوضاعها الداخلية. شرعيته مستمدة من التاريخ، والإصلاح الدستوري، والإنجازات التنموية. نجاحاته في البنية التحتية والدبلوماسية تعكس مساره أكثر من لغة "النهاية" التي تستهوي الأقلام.

كل محطة شمسية تُفتتح، كل ميناء يتوسع، وكل وساطة دبلوماسية تُنجَز، تمثل نقيضًا لخطاب الجمود. بل إن إصرار البعض على خطاب "الانحدار" يكشف في ذاته عن مكانة المغرب وحيويته: دولة قوية بما يكفي لتكون موضوع مراقبة دائمة، ومستقرة بما يكفي لمواصلة الإصلاح.

مغرب 2025 ليس مملكة في الغروب، بل أمة تشق طريقها نحو الحداثة بطموح. وما تحتاجه من الصحافة الدولية ليس المجاملة، بل الإنصاف: تحليل يستند إلى السياق، نقد يستند إلى الحقائق، وسرديات تعكس الواقع بدل أن تُكرّر الكليشيهات.