الهرمينوطيقا كجسر بين الفلسفة والعلوم الإنسانية
مقدمة
في إطار التحولات المنهجية التي تشهدها الفلسفة المعاصرة، يبرز بول ريكور (1913-2005) كواحد من أبرز الفلاسفة الذين ساهموا في إعادة صياغة الهرمينوطيقا كأداة لفهم الوجود الإنساني، مع التركيز على دور السرد والتأويل في تشكيل الذات والمجتمع. فلسفته، التي تجمع بين الوجودية والفينومينولوجية، تمتد إلى تطبيقات عملية في مجالات متعددة، حيث يصبح التأويل ليس مجرد قراءة للنصوص، بل وسيلة لاستكشاف الواقع الإنساني في سياقاته المتنوعة. يعتمد ريكور على مفهوم "الدائرة الهرمينوطيقية"، حيث يتفاعل الفهم مع التفسير، ويؤكد على "السرد الثلاثي" (الميمسيس الثلاثي) الذي يربط بين الزمن والرواية، مما يجعل أفكاره أداة تطبيقية لاستكشاف كيفية بناء المعاني في الحياة اليومية. في هذه الدراسة، سنستعرض استعمالات فلسفة ريكور في الأدب والفنون، الطب، الأديان، العلوم الإنسانية، والعلوم القانونية، مع مقاربة تطبيقية تركز على كيفية استخدام أدواته النظرية لمواجهة تحديات عملية، مما يبرز قدرته على ربط النظرية بالممارسة في عالم يتسم بالتعقيد والتعددية. كيف تم تطبيق فلسفة بول ريكور في مجالات ابداعية انسانية متنوعة؟ وماذا ترتب عن هذا التطبيق من اسهامات معرفية وايتيقية؟
الأدب والفنون
يبدأ التطبيق في مجال الأدب والفنون باستخدام ريكور لنظرية السرد كأداة لتحليل النصوص الأدبية والفنية، حيث يرى أن الرواية ليست مجرد سرد أحداث، بل عملية ميمسيسية تتكون من ثلاث مراحل: الميمسيس الأولى (الفهم السابق للعالم)، الميمسيس الثانية (التكوين السردي)، والميمسيس الثالثة (التأويل والتطبيق في الحياة). في الأدب، يساعد هذا النموذج في فهم كيفية تشكيل الهوية الذاتية من خلال الروايات، كما في روايات الذاتية حيث يصبح السرد وسيلة لإعادة ترتيب الزمن المتشظي، مما يمنح القارئ أو الكاتب قدرة على مواجهة التناقضات الوجودية. على سبيل المثال، في تحليل روايات مثل تلك لمارسيل بروست أو جيمس جويس، يمكن استخدام ريكور لاستكشاف كيف يحول السرد الزمن الخطي إلى زمن سردي يعكس الذاكرة والنسيان، مما يفتح أبواباً لتطبيقات نقدية تكشف عن الصراع بين الذات والآخر. أما في الفنون، فيمتد التأويل الريكوري إلى الفنون البصرية والموسيقية، حيث يعامل العمل الفني كنص يتطلب تأويلاً مزدوجاً: فهم حرفي وفهم مجازي، كما في تحليل لوحات بيكاسو أو موسيقى باخ، حيث يصبح الفن وسيلة لإعادة تشكيل الواقع من خلال الخيال الإنتاجي. تطبيقياً، يستخدم النقاد الريكوريون هذه الأدوات في ورش عمل أدبية أو فنية لمساعدة الفنانين على استكشاف هوياتهم الثقافية، خاصة في سياقات ما بعد الاستعمارية حيث يساعد السرد في إعادة بناء التاريخ الجماعي، مما يجعل فلسفة ريكور أداة للتحرر الإبداعي والتعبير عن التنوع الثقافي في العصر الحديث.
الطب
في مجال الطب، يجد فلسفة ريكور تطبيقاً بارزاً في الطب السردي، حيث يُستخدم نموذجه الهرمينوطيقي لفهم تجربة المريض كسرد يتجاوز الأعراض الجسدية إلى الأبعاد الوجودية. يؤكد ريكور على أن الإنسان "قادر على الفعل"، مما يجعل المريض ليس مجرد كائن بيولوجي، بل ذاتاً سردية تبني معنى لمرضها من خلال الرواية. تطبيقياً، في مقابلات التمريض أو الاستشارات الطبية، يُستخدم "القوس الهرمينوطيقي" الريكوري لتفسير قصص المرضى، حيث يبدأ الطبيب بالفهم الأولي (الميمسيس الأولى) للسيميائية الجسدية، ثم ينتقل إلى التكوين السردي (الميمسيس الثانية) لربط الأعراض بالحياة اليومية، وينتهي بالتأويل (الميمسيس الثالثة) الذي يساعد في اتخاذ قرارات علاجية مركزة على الشخص. على سبيل المثال، في علاج الأمراض المزمنة مثل التصلب اللويحي أو السرطان، تساعد روايات المرضى في كشف الجراح الوجودية، مما يمكن الفرق الطبية من دمج الرعاية النفسية مع الجسدية، كما في برامج الرعاية المركزة على الشخص حيث يصبح التأويل أداة لتعزيز التعاطف والتردد في نهاية الحياة. كذلك، في أخلاقيات الطب، يُستخدم مفهوم ريكور عن "الذات الجريحة" لمناقشة قضايا مثل الإجهاض أو الموت الرحيم، حيث يبرز التوازن بين الاستقلالية والاعتمادية، مما يجعل فلسفته أداة عملية لتدريب الأطباء على فهم الإنسان ككل متكامل، ويقلل من النظرة الاختزالية البيولوجية السائدة في الطب الحديث.
الطب السردي
في سياق الطب السردي، الذي يمثل تحولاً جذرياً في ممارسة الرعاية الصحية نحو دمج السرد كأداة أساسية لفهم تجربة المريض، يبرز بول ريكور كفيلسوف محوري يقدم إطاراً هرمينوطيقيا يعمق هذا النهج. الطب السردي، كما يُعرف، ليس مجرد سرد قصص المرضى، بل عملية تفسيرية تتجاوز الأعراض الجسدية إلى الأبعاد الوجودية والاجتماعية والعاطفية، مما يجعل المريض شريكاً في عملية الشفاء بدلاً من كونه موضوعاً بيولوجياً. فلسفة ريكور، المبنية على مفاهيم مثل "الهوية السردية"، "القوس الهرمينوطيقي"، والميمسيس الثلاثي، توفر أدوات تطبيقية لتحليل هذه التجارب، حيث يصبح السرد وسيلة لإعادة تشكيل الذات الجريحة وتعزيز التعاطف بين الطبيب والمريض. هذه التطبيقات ليست نظرية مجردة، بل تُستخدم في سياقات عملية مثل علاج الأمراض المزمنة، أخلاقيات الرعاية، والتدريب الطبي، مما يساهم في تحويل الطب من نموذج بيوميكانيكي إلى نموذج إنساني متكامل. في هذه الدراسة، سنوسع في تطبيقات ريكور في الطب السردي، مسترسلين في استكشاف كيفية دمج أفكاره في الممارسة اليومية، مع التركيز على مقاربة تطبيقية تربط بين النظرية والواقع السريري.
يبدأ التوسع في تطبيقات ريكور بفهم مفهوم "الهوية السردية" كأساس للطب السردي، حيث يرى ريكور أن الإنسان يبني هويته من خلال السرد، الذي يجمع بين الزمن والفعل الإنساني. في السياق الطبي، يصبح المرض حدثاً يشق الهوية، مما يتطلب إعادة سرد لاستعادة الانسجام الذاتي. تطبيقياً، في علاج الأمراض المزمنة مثل السرطان أو التصلب المتعدد، يُستخدم هذا المفهوم لمساعدة المريض على رواية قصته، حيث يتحول المرض من حدث عشوائي إلى جزء من رواية أكبر تشمل الذاكرة والأمل. على سبيل المثال، في جلسات الاستشارة، يشجع الطبيب المريض على سرد تجربته، مستخدماً أسئلة مفتوحة مثل "كيف غير هذا المرض حياتك اليومية؟"، مما يسمح بكشف الجراح الوجودية مثل الفقدان أو الخوف من الموت. هذا السرد لا يقتصر على الشفاء النفسي، بل يؤثر على الخطط العلاجية، إذ يساعد في تخصيص العلاجات بناءً على السياق الشخصي، كما في دمج الرعاية التلطيفية مع العلاج الكيميائي لتعزيز جودة الحياة. كذلك، في سياق التعافي من الإدمان، يُطبق مفهوم الهوية السردية لمساعدة المدمن على إعادة صياغة روايته، حيث يصبح الإدمان ليس نهاية، بل تحولاً في السرد يفتح على إمكانيات جديدة، مستفيداً من أدبيات الذاتية أو التاريخ لتعزيز الإلهام. هذا النهج يقلل من الوصمة الاجتماعية ويعزز الالتزام بالعلاج، مما يجعل ريكور أداة لتحويل الطب السردي إلى ممارسة تمكينية.
من جانب آخر، يُعد "الميمسيس الثلاثي" نموذجاً تطبيقياً رئيسياً في الطب السردي، حيث يقسم ريكور عملية السرد إلى ثلاث مراحل: الميمسيس الأولى (الفهم السابق للعالم)، الميمسيس الثانية (التكوين السردي)، والميمسيس الثالثة (التأويل والتطبيق). في الممارسة السريرية، يُستخدم هذا النموذج لتحليل روايات المرضى كعملية ديناميكية. على سبيل المثال، في مقابلات التمريض، تبدأ المرحلة الأولى بفهم السياق الثقافي والاجتماعي للمريض، مثل تأثير الخلفية الدينية على إدراكه للمرض، مما يمنع الافتراضات الطبية الجامدة. ثم، في المرحلة الثانية، يقوم الطبيب بتكوين السرد من خلال ربط الأعراض بالحياة اليومية، كما في حالات الآلام المزمنة حيث يصبح الألم ليس مجرد إشارة فيزيولوجية، بل جزء من رواية تشمل العلاقات الأسرية أو الضغوط المهنية. أما المرحلة الثالثة، فتتجلى في التأويل الذي يؤدي إلى قرارات عملية، مثل تعديل خطة العلاج لتشمل العلاج النفسي إذا كشف السرد عن اكتئاب مخفي. هذا النموذج يُطبق أيضاً في الرعاية المركزة على الشخص، حيث يساعد في دعم كبار السن أو المصابين بأمراض عصبية، إذ يتحول اليومي من أفعال روتينية إلى سرد يعكس الاستقلالية، مما يعزز الرعاية الشخصية ويقلل من الشعور بالعزلة. في سياقات أوسع، يُستخدم الميمسيس الثلاثي في التدريب الطبي، حيث يتعلم الطلاب من خلال ورش عمل سردية كيفية تفسير قصص المرضى، مما يطور مهارات التعاطف ويحسن النتائج الصحية.
كما يساهم مفهوم "القوس الهرمينوطيقي" في توسيع تطبيقات ريكور في أخلاقيات الطب السردي، حيث يصف ريكور عملية التفسير كدائرة بين الفهم والتفسير، مع التركيز على التبادلية بين الذات والآخر. في الطب، يُترجم هذا إلى فهم المريض كذات جريحة، مما يبرز الاعتمادية المتبادلة بين الطبيب والمريض. تطبيقياً، في قضايا أخلاقية مثل الموت الرحيم أو الإجهاض، يساعد القوس الهرمينوطيقي في استكشاف روايات متعددة، حيث يصبح القرار ليس قانونياً مجرداً، بل نتيجة تفسير مشترك يأخذ بعين الاعتبار الجراح العاطفية والروحية. على سبيل المثال، في رعاية نهاية الحياة، يُستخدم هذا المفهوم لمساعدة الأسر على سرد ذكرياتهم، مما ييسر عملية الغفران والتصالح، ويقلل من النزاعات الأخلاقية. كذلك، في الرعاية غير التقليدية، مثل العلاجات البديلة، يُطبق القوس لفهم أنماط المعاناة المختلفة، حيث يميز ريكور بين الألم الجسدي والمعاناة الوجودية، مما يدفع إلى دمج الرعاية الروحية مع الطبية، كما في حالات الاكتئاب المرتبط بالمرض المزمن. هذا النهج يعزز من الرعاية الشاملة، خاصة في سياقات متعددة الثقافات حيث يساعد في تفسير الرموز الدينية أو الثقافية في روايات المرضى، مما يمنع التحيزات الطبية ويعمق التبادلية. بالإضافة إلى ذلك، يمتد تأثير ريكور إلى بناء التعاطف في الطب السردي من خلال مفهوم "عين الذات كآخر"، الذي يؤكد على هشاشة الهوية وتبادليتها، مما يجعل الطبيب قادراً على رؤية نفسه في مكان المريض. تطبيقياً، في برامج التدريب، يُستخدم هذا لتطوير ورش عمل سردية حيث يروي الأطباء قصصهم الشخصية، مما يعزز الوعي بالجراح المشتركة ويحسن التواصل. على سبيل المثال، في علاج الاضطرابات النفسية، يساعد هذا المفهوم في فهم الهوية المتشظية للمريض، حيث يصبح السرد أداة لإعادة الاندماج، كما في حالات الصدمات النفسية الناتجة عن الحوادث أو الحروب. هذا يؤدي إلى تحسين النتائج العلاجية، إذ يقلل من معدلات الانسحاب من العلاج ويعزز الثقة بين الطرفين.
الأديان
أما في مجال الأديان، فيقدم ريكور مقاربة هرمينوطيقية تتجاوز التفسير الحرفي للنصوص المقدسة، معتبراً الدين كنظام رمزي يتطلب تأويلاً مزدوجاً: فهم الرمز كمجاز يفتح على المعنى الروحي. في تطبيقاته، يُستخدم نموذجه في دراسة النصوص الدينية مثل الكتاب المقدس أو القرآن، حيث يصبح السرد أداة لربط الزمن المقدس بالزمن الإنساني، مما يساعد في مواجهة التعارض بين العلم والإيمان. تطبيقياً، في اللاهوت المسيحي أو الإسلامي، يُستخدم ريكور لإعادة تفسير قصص الأنبياء كروايات تشكل الهوية الجماعية، كما في مناقشات الغفران والتوبة حيث يبرز دور الذاكرة في التصالح مع الماضي. على سبيل المثال، في الوساطة بين الأديان، تساعد فلسفته في فهم الوحي كحدث سردي يتجاوز اللغة الحرفية، مما يفتح أبواباً للحوار بين التقاليد المختلفة، خاصة في سياقات الصراعات الدينية حيث يصبح التأويل أداة للصلح والتسامح. كذلك، في فلسفة الدين، يُستخدم مفهوم "الرمز يعطي للتفكير" لاستكشاف كيفية دمج الإيمان مع العلمانية، مما يجعل أفكاره تطبيقية في برامج التعليم الديني أو الإرشاد الروحي، حيث يساعد الأفراد على بناء إيمان شخصي يتجاوز الدوغمائية، ويعزز من الوعي بالتنوع الديني في العالم المعاصر.
العلوم الإنسانية
في العلوم الإنسانية، يشكل ريكور أساساً لمنهجيات البحث النوعي، خاصة في علم النفس والتاريخ والأنثروبولوجيا، حيث يُستخدم نظريته السردية لفهم الذات كبناء تاريخي. تطبيقياً، في علم النفس، يساعد نموذج "عين الذات كآخر" في علاج الاضطرابات النفسية من خلال إعادة سرد الذكريات، مما يمنح المريض قدرة على إعادة تشكيل هويته. أما في التاريخ، فيُستخدم ريكور لمناقشة "استخدامات وإساءات التاريخ"، حيث يصبح السرد أداة لمواجهة الإيديولوجيا، كما في دراسات الذاكرة الجماعية بعد الحروب أو الاستعمار، مما يساعد الباحثين في كشف التحيزات وإعادة بناء روايات محايدة.
في الأنثروبولوجيا، يُطبق التأويل الريكوري على الثقافات المختلفة كنصوص حية، مما يعزز من فهم التنوع الثقافي ويقلل من النظرة الاستعمارية. هذه التطبيقات تجعل فلسفة ريكور أداة للبحث الميداني، حيث يصبح التأويل عملية ديناميكية تربط بين النظرية والممارسة، وتساعد في مواجهة تحديات العولمة مثل فقدان الهوية الثقافية.
علم النفس
في سياق علم النفس المعاصر، يُعتبر بول ريكور فيلسوفاً يتجاوز الحدود التقليدية للفلسفة ليصبح مصدر إلهام أساسياً في فهم الذات الإنسانية، خاصة من خلال مفهوم "الهوية السردية" الذي طوره في أعماله الرئيسية مثل الزمن والسرد وعين الذات كآخر. يقدم ريكور مقاربة هرمينوطيقية -فينومينولوجية تجعل السرد ليس مجرد أداة سردية، بل بنية أساسية تشكل الذات، حيث يربط بين الزمن والفعل الإنساني والتأويل، مما يجعله أكثر تأثيراً في علم النفس السردي ، علم النفس الوجودي، والعلاج النفسي الذي يركز على إعادة صياغة القصص الشخصية. هذه الدراسة تستعرض تطبيقات ريكور في علم النفس، مسترسلة في تحليل كيف تحولت أفكاره من نظرية فلسفية إلى أدوات عملية في فهم الاضطرابات النفسية، بناء الهوية، والعلاج، مع التركيز على مقاربة تطبيقية تربط بين النظرية والممارسة النفسية في سياقات متنوعة.
يبدأ التأثير الرئيسي لريكور في علم النفس بمفهوم الهوية السردية، الذي يميز بين نوعين من الهوية: الهوية كـ"الذات عينها" التي ترتبط بالاستمرارية والثبات (مثل الخصائص الجسدية أو السمات الثابتة)، والهوية كـ"الذات غيرها" التي ترتبط بالوعد والالتزام والقدرة على التغيير رغم التناقضات. في علم النفس، يُرى هذا التمييز كحل لإشكالية الذات المتشظية في العصر الحديث، حيث يؤكد ريكور أن الذات لا تُدرك مباشرة بل من خلال وساطة السرد، الذي يجمع بين الزمن المتشظي والفعل الإنساني عبر عملية الميمسيس. تطبيقياً، في علم النفس السردي، يُستخدم هذا المفهوم لفهم كيف يبني الفرد هويته من خلال رواية حياته، حيث يصبح السرد أداة لإعادة ترتيب التجارب الماضية والحاضرة والمستقبلية في بنية متماسكة. على سبيل المثال، في دراسات الشخصية، يُرى أن الهوية السردية توفر إطاراً لفهم كيف يحافظ الفرد على الاستمرارية الذاتية رغم التغييرات الجذرية، مثل الانتقال من مرحلة الطفولة إلى البلوغ أو مواجهة أزمات وجودية، مما يجعل ريكور أساساً نظرياً لعلماء نفس مثل دان ماك آدامز الذين طوروا نماذج سردية للهوية.
في مجال العلاج النفسي، يبرز تأثير ريكور بشكل خاص في العلاج السردي، الذي يرى أن المشكلات النفسية غالباً ما تنبع من روايات مهيمنة سلبية تفرضها الثقافة أو التجارب الصادمة، وأن العلاج يكمن في إعادة تأليف هذه الروايات. يستلهم هذا النهج من ريكور فكرة أن الذات "قادرة" على التأويل والتغيير، حيث يساعد المعالج المريض على إعادة سرد قصته بطريقة تبرز القدرات والقيم بدلاً من العجز. على سبيل المثال، في علاج الاكتئاب أو اضطراب ما بعد الصدمة، يُطبق مفهوم الهوية السردية لمساعدة المريض على فصل "المشكلة" عن "الذات"، مستخدماً أسئلة مثل "كيف ساهمت هذه الرواية في تشكيل هويتك؟" أو "ما هي الروايات البديلة التي يمكن أن تبرز قوتك؟". هذا النهج يعتمد على "القوس الهرمينوطيقي" الريكوري، الذي يجعل التفسير عملية دائرية بين الفهم الأولي والتأويل النقدي، مما يسمح بإعادة بناء معنى للتجارب الصادمة دون إنكارها، ويعزز من الشعور بالفاعلية والمسؤولية. كما أن مفهوم "عين الذات كآخر" يُستخدم في العلاج لتعزيز التعاطف الذاتي، حيث يتعلم المريض رؤية نفسه كما يراه الآخر، مما يقلل من الصراع الداخلي ويفتح على علاقات أكثر توازناً.من جهة أخرى، يمتد تأثير ريكور إلى فهم الاضطرابات النفسية كاضطراب في السرد، حيث يرى أن الذات المتشظية (مثل في الفصام أو اضطراب الهوية الانفصالي) تعكس فشلاً في عملية التكوين السردي، مما يؤدي إلى فقدان التماسك الزمني. تطبيقياً، في علم النفس السريري، يُستخدم نموذج ريكور لتحليل كيف تؤدي الصدمات إلى تقطع في السرد الذاتي، وكيف يمكن للعلاج أن يعيد الربط بين الماضي والحاضر من خلال إعادة التأويل. على سبيل المثال، في علاج الإدمان، يُطبق مفهوم الهوية السردية لمساعدة المدمن على إعادة صياغة روايته من "الضحية" إلى "القادر على التغيير"، مستفيداً من فكرة ريكور أن السرد يفتح إمكانيات جديدة للوجود. كذلك، في علم نفس التنمية، يُرى أن بناء الهوية في مرحلة المراهقة يعتمد على دمج الروايات الثقافية والشخصية، مما يجعل ريكور أداة لفهم كيف تؤثر الثقافة على تشكيل الذات.
بالإضافة إلى ذلك، يساهم ريكور في نقد النهج الاختزالي في علم النفس، خاصة في مواجهة النظريات التي ترى الذات كمنتج بيولوجي أو لا شعوري فقط، حيث يؤكد على البعد الهرمينوطيقي الذي يجعل الذات "مفتوحة" للتأويل والمسؤولية الأخلاقية. في علم النفس الإيجابي أو الوجودي، يُستخدم مفهوم "الذات القادرة" لتعزيز التركيز على الإمكانيات والالتزام، مما يربط بين الفلسفة والممارسة العلاجية. كما أن تأثيره يمتد إلى دراسات الذاكرة والنسيان، حيث يساعد في فهم كيف تُشكل الذاكرة السردية الهوية، خاصة في سياقات ما بعد الصدمة الجماعية أو الثقافية.
العلوم القانونية
أخيراً، في العلوم القانونية، يجد ريكور تطبيقاً في فلسفة القانون والوساطة، حيث يُستخدم نموذجه الهرمينوطيقي لتأويل النصوص القانونية كنصوص سردية تتطلب توازناً بين العدالة والرحمة. تطبيقياً، في الوساطة الدولية، يساعد مفهوم "الخيال الإبداعي" في حل النزاعات من خلال إعادة سرد التاريخ المشترك، كما في صراعات الشرق الأوسط أو أفريقيا، حيث يصبح الغفران جزءاً من العملية القانونية. في القانون الجنائي، يُستخدم ريكور لمناقشة "الذات القادرة" في سياق المسؤولية، مما يؤثر على قرارات المحاكم حول العقوبات والإصلاح. كذلك، في أخلاقيات القانون، يبرز دوره في دمج العدالة الاجتماعية مع الحقوق الفردية، مما يجعله أداة لتدريب القضاة والمحامين على فهم السياق الإنساني خلف القوانين.
خاتمة
تكشف استعمالات فلسفة ريكور في هذه المجالات عن قدرته على ربط النظرية بالتطبيق، حيث يصبح التأويل أداة لإعادة بناء الإنسانية في عالم متشظٍ، مما يعزز من دوره كفيلسوف يجمع بين التراث والحداثة لمواجهة التحديات المعاصرة. لذلك يمثل ريكور في علم النفس جسراً بين الفلسفة والممارسة، حيث تحول مفهومه عن الهوية السردية علم النفس من دراسة الآليات الداخلية إلى فهم الذات كقصة مستمرة التأويل والتجدد. هذا النهج لا يقتصر على العلاج الفردي، بل يمتد إلى فهم الذات في سياقاتها الاجتماعية والثقافية، مما يجعله أداة قوية لمواجهة تحديات الهوية في العصر الحديث، حيث تتزايد التشظيات والروايات المتعددة، ويصبح إعادة سرد الذات شرطاً للشفاء والنمو. كما توسع تطبيقات ريكور في الطب السردي يعكس قدرته على ربط الفلسفة بالممارسة السريرية، حيث تحول مفاهيمه مثل الهوية السردية والميمسيس الثلاثي الطب من علم بارد إلى فن إنساني يركز على الشخص ككل. هذه التطبيقات لا تقتصر على علاج الأجساد، بل تمتد إلى شفاء الروح والعلاقات، مما يجعل الطب السردي نموذجاً للرعاية في العصر الحديث، مستفيداً من ريكور كجسر بين العلم والإنسانية. فكيف يمكن دفع الدراسات الريكورية نحو عوالم مغايرة وفتحها على ثقافات غير أوروبية ومنهية للنزعة المركزية الاستعمارية؟