هاربات ماركوز بين المقاربة الجذرية التحررية والفلسفة الاجتماعية النقدية

تمثل فلسفة ماركوز النقدية الاجتماعية مواجهة جذرية للفاشية الجديدة، من خلال نقد اغتراب الإنسان ذي البعد الواحد في الرأسمالية الاستهلاكية، مقابل تحرير الإيروس والبعد الجمالي.

مقدمة

هربرت ماركوز (1898–1979)، أحد أبرز أعضاء مدرسة فرانكفورت في النظرية النقدية، يمثّل صوتًا راديكاليًا في الفلسفة الاجتماعية النقدية، حيث يجمع بين الماركسية، والتحليل النفسي الفرويدي، والفينومينولوجيا، من أجل نقد الهيمنة في المجتمعات الصناعية المتقدمة. تتركز فلسفته على مواجهة "الفاشية الجديدة"، التي ليست مجرد إعادة إنتاج للفاشية التاريخية (كالنازية)، بل شكلًا معاصرًا يتجلى في الإدارة الشمولية والقمع الخفي داخل الديمقراطيات الرأسمالية.

في هذا السياق، يبرز التوتر بين "اغتراب الإنسان ذي البعد الواحد" في الحضارة الرأسمالية الاستهلاكية، كما في كتابه الشهير الإنسان ذو البعد الواحد (1964)، وبين "إيروسية البعد الجمالي" بوصفها وسيلة تحررية، مستمدة من الإيروس والحضارة (1955) ومقالة في التحرر (1969). تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف هذا التوتر بشكل موسّع، مستندة إلى النظرية النقدية لماركوز، مع التركيز على كيفية توظيف الجماليات والإيروس في مواجهة الاغتراب والفاشية. سنبدأ بالسياق الفلسفي، ثم ننتقل إلى تحليل الاغتراب، مرورًا بمواجهة الفاشية، لنختم بدور البعد الجمالي والإيروس.

السياق الفلسفي: النظرية النقدية ومدرسة فرانكفورت

تنبع فلسفة ماركوز من مدرسة فرانكفورت، التي أسسها ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، والتي هدفت إلى نقد الهيمنة الرأسمالية عبر دمج الماركسية بالتحليل النفسي والفلسفة الهيغلية. فرّ ماركوز من ألمانيا النازية عام 1933، مما شكّل تجربته الشخصية في مواجهة الفاشية، حيث عمل في مكتب الخدمات الاستراتيجية الأميركي أثناء الحرب العالمية الثانية في تحليل النزعات الفاشية.

في كتابه التكنولوجيا، الحرب، والفاشية (1998، نُشر بعد وفاته)، يرى ماركوز الفاشية نتيجةً للرأسمالية المتأخرة، حيث تتحول التكنولوجيا إلى أداة للقمع الشمولي. يعتمد ماركوز على مفهوم "التنوير كخدعة" لدى أدورنو وهوركهايمر، لكنه يضيف بعدًا تحرريًا من خلال الإيروس، مستلهمًا فرويد، إذ يرى في الغرائز الإنسانية (الإيروس بوصفه غريزة الحياة مقابل الثاناتوس بوصفه غريزة الموت) إمكانية قيام مجتمع غير قمعي. هذا السياق يجعل فلسفته نقدًا اجتماعيًا يركّز على "الرفض الكبير" ضد الواقع القمعي، ولاسيما في حركات الستينيات التي تأثر بها ماركوز بوصفه "أب اليسار الجديد". الفاشية الجديدة، حسب ماركوز، ليست عودةً للنازية، بل شكلًا معاصرًا يتجلى في "التسامح القمعي"، حيث تسمح الديمقراطية بممارسة القمع تحت ستار الحرية.

اغتراب الإنسان ذي البعد الواحد في الحضارة الرأسمالية الاستهلاكية

في الإنسان ذو البعد الواحد، يصف ماركوز كيف تحوّل الإنسان في الحضارة الرأسمالية الاستهلاكية إلى كائن أحادي البعد، يفقد قدرته على التفكير النقدي والثوري. يستمد هذا الاغتراب جذوره من ماركس (في مخطوطات 1844)، حيث يصبح العمل أداةً للاستلاب، غير أن ماركوز يوسّعه ليشمل الاستهلاك، إذ "في ظل الرأسمالية المتقدمة، يصبح الإنسان يرغب فيما يُفترض أن يرغبه".

ينتج هذا الاغتراب عن "القمع الفائض" الذي يتجاوز القمع الضروري للحضارة، مما يدفع الإنسان إلى التماهي مع نظام يستغله. وفي المجتمع الاستهلاكي، تُسوّى التناقضات الاجتماعية (كالتفاوت بين الغنى والفقر) عبر السلع، فتتولّد "حرية غير حرة، سلسة، معقولة، ديمقراطية". يفقد الإنسان ذو البعد الواحد بُعده الثاني (النقدي)، إذ تتحول الثقافة إلى صناعة تروّج للاستهلاك، مما يعمّق الاغتراب الاجتماعي والنفسي.

هذا الاغتراب يمهّد للفاشية الجديدة، حيث تغدو الإدارة الشمولية شكلًا من أشكال الهيمنة غير الشخصية: "مع عقلنة الجهاز الإنتاجي… تصبح كل هيمنة شكلًا من أشكال الإدارة". في هذا السياق، يرى ماركوز أن الرأسمالية الاستهلاكية تخلق "مجتمعًا مُدارًا بالكامل"، يفقد فيه الإنسان قدرته على التمرّد، في صورة تشبه الفاشية من حيث قمع الوعي النقدي.

مواجهة الفاشية الجديدة في فلسفة ماركوز

تنظر فلسفة ماركوز إلى الفاشية الجديدة بوصفها امتدادًا للرأسمالية، حيث تتحول التكنولوجيا ووسائل الإعلام إلى أدوات للقمع الخفي. في التكنولوجيا، الحرب، والفاشية، يحلّل ماركوز كيف مهّد الاقتصاد الآلي للنازية، بينما تتجلى الفاشية الحديثة في "الديمقراطية غير الحرة"، حيث يُستغل الإحباط الشعبي لدعم أنظمة استبدادية (كما في صعود اليمين المتطرف في الولايات المتحدة خلال عهد نيكسون).

تستفيد الفاشية الجديدة من اغتراب الإنسان ذي البعد الواحد، الذي يصبح عرضةً للدعاية، في إطار "التسامح القمعي" الذي يشرعن القمع باسم التسامح. ويدعو ماركوز إلى "الفكر السلبي" أداةً لكشف التناقضات، معتبرًا أن الفاشية تستثمر الغرائز المكبوتة لتعزيز الولاء للنظام. في نحو نظرية نقدية للمجتمع (1969)، يحذّر من أن الرأسمالية تُعدّ لفاشية جديدة عبر الاقتصاد الآلي والإعلام، مما يجعل الثورة ضرورةً لاستعادة الوعي النقدي. تتجاوز هذه المواجهة البعد السياسي إلى البعد النفسي، إذ يربط ماركوز بين القمع الاجتماعي والقمع النفسي، ويرى أن الفاشية تحوّل الغرائز إلى أدوات للهيمنة.

تنظر فلسفة ماركوز إلى الفاشية الجديدة بوصفها امتدادًا للرأسمالية، حيث تتحول التكنولوجيا ووسائل الإعلام إلى أدوات للقمع الخفي

إيروسية البعد الجمالي كوسيلة للتحرر

في مقابل الاغتراب، يقدّم ماركوز "البعد الجمالي" و"الإيروس" بوصفهما أداتين تحرريتين. في الإيروس والحضارة، يرى أن الإيروس (غريزة الحياة) يُقمع لصالح "مبدأ الأداء"، غير أن تحريره يفتح أفق مجتمع غير قمعي. وتعمل "أيديولوجيا الندرة" على إخفاء الوفرة، لفرض عمل غير ضروري.

أما في البعد الجمالي (1978)، فيؤكد أن الفن يخلق "مساحات نقدية" تعبّر عن حقائق ثورية، إذ "الفن كفن يعبر عن حقيقة... ضرورية للثورة". تشير الإيروسية هنا إلى دمج الرغبة بالعقل ضمن "عقلانية الإشباع"، في مواجهة الفاشية عبر إعادة تشكيل الذاتية. وفي مقالة في التحرر، يدعو ماركوز إلى "حساسية جديدة" مستلهمة من حركات الستينيات، حيث يصبح الفن أداةً للرفض الكبير، وتُعاد توجيه التكنولوجيا نحو الإشباع الإنساني. يواجه هذا البعد الاغتراب بإعادة الاغتراب عن الواقع القمعي، فاتحًا أفق مجتمع تحرري يجمع بين الإيروس واللوغوس.

الرفض الراديكالي في مواجهة المجتمع الصناعي المتقدم

يشكّل مفهوم "الرفض الكبير" محورًا أساسيًا في فلسفة ماركوز، بوصفه فعلًا ثوريًا راديكاليًا يرفض الهيمنة الشمولية للمجتمع الصناعي المتقدم، الذي يخفي قمعه تحت ستار الديمقراطية والاستهلاك. لا يقتصر هذا الرفض على البعد السياسي، بل هو نفي شامل للقيم والاحتياجات الزائفة التي يفرضها النظام الرأسمالي، ويفتح أفقًا لتحرير الغرائز الإنسانية وبناء مجتمع غير قمعي.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مفصل لهذا المفهوم، مستندة إلى سياقه الفلسفي، تعريفه، أبعاده النفسية والاجتماعية، تطبيقاته في الحركات الاجتماعية، والنقود الموجهة إليه. سنعتمد على أعمال ماركوز الرئيسية مثل الإيروس والحضارة ( 1955) ومقالة في التحرر ( 1969)، مع التركيز على كيفية تحول الرفض الكبير إلى أداة لمواجهة "الفاشية الجديدة" في العصر الحديث. كما يأتي مفهوم الرفض الكبير ضمن إطار النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، التي أسسها ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، والتي تهدف إلى نقد الهيمنة الرأسمالية من خلال دمج الماركسية بالتحليل النفسي الفرويدي والفينومينولوجيا الهيغلية. فر ماركوز من ألمانيا النازية عام 1933، مما شكل تجربته الشخصية في مواجهة الفاشية، حيث عمل في مكتب الخدمات الاستراتيجية الأميركي أثناء الحرب العالمية الثانية لتحليل النزعات الفاشية.  في كتابه التكنولوجيا، الحرب، والفاشية (1998)، يرى ماركوز الفاشية كنتيجة للرأسمالية المتأخرة، حيث تتحول التكنولوجيا إلى أداة للقمع الشمولي. يعتمد ماركوز على مفهوم "التنوير كخدعة" من أدورنو وهوركهايمر، لكنه يضيف بعداً تحررياً من خلال الإيروس، مستلهما فرويد، حيث يرى في الغرائز الإنسانية (الإيروس كغريزة الحياة مقابل الثاناتوس كغريزة الموت) إمكانية لمجتمع غير قمعي.  نشأ الرفض الكبير من تجارب ماركوز في ألمانيا الويمارية، حيث أدى الانهيار الاقتصادي والأخلاقي بعد الحرب العالمية الأولى إلى صعود النازية، مما يعكس فشل اليسار في مواجهة الفاشية. في الإنسان ذو البعد الواحد، يتهم ماركوز الديمقراطيات الغربية بعد الحرب بإغلاق الخيارات الإنسانية الحقيقية من خلال إخفاء الهيمنة عبر الإيديولوجيا. تأثر ماركوز بـهيغل، ماركس، فرويد، وهايدغر، حيث يجمع بين الجدل الهيغلي (النفي الجدلي للواقع) والتحليل الماركسي للاغتراب، مع التأكيد على الجانب النفسي للقمع. هذا السياق يجعل الرفض الكبير رمزاً للسياسة في الستينيات، حيث أصبح ماركوز "أب اليسار الجديد"، مستلهماً حركات الاحتجاج ضد حرب فيتنام والرأسمالية. من الناحية الدلالية، يُعرف الرفض الكبير كرفض راديكالي للهيمنة في المجتمع الصناعي المتقدم، الذي يُوصف بأنه "أكثر أنظمة الهيمنة كفاءة"، بما في ذلك الديمقراطيات. إنه نفي للاحتياجات الكاذبة التي يفرضها النظام، مع الاعتراف بالفقر الروحي والسياسي حتى في أمريكا الغنية. يعتمد ماركوز على "التفكير السلبي" لتفكيك قبضة الهيمنة والاغتراب، مما يسمح باكتشاف الاحتياجات الحقيقية وتحرير "السلاسل الذهنية المزورة".  يشمل الرفض الكبير مجموعات متنوعة مثل "المهمشين والمضطهدين، العاطلين عن العمل، شباب الطبقة الوسطى البيضاء في اليسار الجديد، والطبقة السوداء السفلى، وجبهة التحرير الوطني في فيتنام، والثوار الكوبيين". من الناحية الإجرائية، يتجاوز الرفض الكبير الرفض السلبي إلى نفي جدلي ينفي "الواقع" (الظاهر) لتأكيد "الواجب" (الجوهر)، مطالبًا بتدمير الظروف الملموسة التي تحول دون الحرية. يعتمد على "القمع الفائض"، الذي يتجاوز القمع الأساسي الضروري للحضارة، مما يجعل الإنسان يرغب فيما يُفرض عليه. في المجتمع الاستهلاكي، تُحل التناقضات الاجتماعية عبر السلع، مما يولد "حرية غير حرة، سلسة، معقولة، ديمقراطية".  يفقد الإنسان البعد الثاني (النقدي)، حيث تتحول الثقافة إلى صناعة تروج للاستهلاك، مما يعزز الاغتراب الاجتماعي والنفسي. فلسفياً، يعتمد على هايدغر (السقوط في "الآخرين" اللامجهول)، هيغل (النفي الجدلي)، ماركس (الاغتراب عن العمل)، وفرويد (الإيروس مقابل الثاناتوس). يدعو إلى "حساسية جديدة" تعتمد على الجماليات والفن لكسر الاحتياجات الكاذبة، مما يجعل الرفض الكبير عملية تغيير وعي قبل الفعل الجماعي. لقد وجد الرفض الكبير تطبيقاته في حركات الستينيات، مثل الاحتجاجات ضد حرب فيتنام والرأسمالية، حيث أثر ماركوز في اليسار الجديد. في مقالة في التحرر، يدعو إلى "مسيرة طويلة" عبر الصراع الممتد، معتمداً على التحالفات بين المثقفين والطبقات المستغلة والمهمشين. الفن يلعب دوراً رئيسياً، حيث يُعد "الأكثر فعالية في إظهار التفكير السلبي"، كما في رفض الاستهلاك والتكنوقراطية.

معاصرًا، يُطبق المفهوم في حركات مثل "أوكيوباي وال ستريت" أو "بلاك لايفز ماتر"، حيث يُرى كرفض للرأسمالية الجديدة والعنصرية. في كتاب الرفض الكبير: هربرت ماركوز والحركات الاجتماعية المعاصرة (2017)، يُحلل كيف يساعد الرفض الكبير في فهم الاحتجاجات العالمية ضد النيوليبرالية، مع التركيز على "الجديد اليسار" في أوروبا وأميركا. كما يرتبط بالنضال البيئي، حيث يرفض استغلال الطبيعة كامتداد للقمع الرأسمالي. ومع ذلك، يُنتقد ماركوز لعدم توقعه رد الفعل اليميني، مثل صعود رونالد ريغان أو اليمين المتطرف في أوروبا. رغم أهميته، واجه الرفض الكبير نقوداً، مثل عدم تفاعل ماركوز مع الاعتراضات أو عدم تقديره لمرونة الرأسمالية، التي لم تنهار كما توقع. يُنتقد افتراضه بأن الرأسمالية أنهت الندرة، مع تجاهل الفجوات المتزايدة في الثروة. كما يُرى تناقض بين الإيروس والحضارة (التكنولوجيا كمحررة) والإنسان ذو البعد الواحد (التكنولوجيا كقمعية). معاصرًا، يُعتبر إرث ماركوز محدوداً، حيث تركز اليسار على تعزيز الديمقراطية بدلاً من رفضها، لكن مفهومه يظل ذا صلة في مواجهة الأزمات مثل التفاوت الاقتصادي والتغير المناخي.

الخاتمة

في الختام، تمثل فلسفة ماركوز النقدية الاجتماعية مواجهة جذرية للفاشية الجديدة، من خلال نقد اغتراب الإنسان ذي البعد الواحد في الرأسمالية الاستهلاكية، مقابل تحرير الإيروس والبعد الجمالي. هذا التوتر يعكس أملاً في الثورة، لكن يحذر من مخاطر الاندماج. الدراسات المستقبلية قد تستكشف تطبيقاته في العصر الرقمي، حيث تتجدد الفاشية عبر الإعلام الاجتماعي. يمثل الرفض الكبير عند ماركوز تحولاً في النظرية النقدية، من نقد الاغتراب إلى فعل ثوري يعتمد على الإيروس والجماليات لتحرير الإنسان من البعد الواحد. رغم النقود، يظل المفهوم أداة لفهم الحركات المعاصرة، مع الحاجة إلى تكييفه مع التحديات الرقمية والعولمية. الدراسات المستقبلية قد تستكشف دوره في الذكاء الاصطناعي والفاشية الرقمية. فمتى يتم تفعيل مسيرة الرفض العربي الكبير للاجتياح الصهيوامبريالي للعمق الاستراتيجي لحضارة أقرأ؟