الهوية الوطنية السورية الجامعة: الملاذ الآمن للخروج من العقوبات وانطلاق مسار التعافي
تمرّ سوريا بمرحلة مفصلية تتسم بتشابك التحديات الداخلية والخارجية. فقد فشلت الجهود الدبلوماسية حتى الآن في إحداث خرق حقيقي على صعيد رفع العقوبات الأميركية والدولية، نتيجة تداخل العوامل السياسية والأمنية والحقوقية، ووقوف قوى دولية فاعلة، في مقدمتها الولايات المتحدة بمؤسساتها التشريعية والتنفيذية، وراء شروط صارمة لرفع هذه العقوبات.
إن الحوار العقلاني والشفاف مع المجتمع الدولي يتطلب، قبل كل شيء، بناء موقف وطني داخلي موحّد يستند إلى الهوية الوطنية السورية الجامعة، باعتبارها المدخل الأساس لإعادة بناء الثقة داخليًا وخارجيًا، ولإطلاق مسار التعافي الوطني الشامل.
أولاً: المشهد السياسي والدبلوماسي الراهن
واجهت الدبلوماسية السورية، ممثلة بوزير الخارجية وفريقه، تحالفًا قويًا بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة، تدعمه شخصيات نافذة مثل السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام والديمقراطي كريس فان هولن، إلى جانب مؤسسات كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
نقل هذا التحالف العقوبات من كونها موجهة ضد النظام السابق إلى أن تشمل الحكومة الجديدة برئاسة الشرع، مستندين إلى أن قانون قيصر يمثل إطارًا تشريعيًا لحماية المدنيين السوريين، وليس موجهًا ضد نظام بعينه.
أكّد السيناتور ديف ماكورميك أن رفع العقوبات مرهون بتحقيق شروط محددة، وأن الزيارات والتحركات الدبلوماسية وحدها غير كافية ما لم يتم الالتزام بهذه الشروط على أرض الواقع.
ثانياً: الشروط الأميركية لرفع العقوبات
وفق ما صدر عن الكونغرس الأمريكي واللجان المعنية، ترتكز الشروط على المحاور التالية:
القضاء على التهديدات الإرهابية: إنهاء نشاط تنظيم داعش والجماعات الإرهابية الأخرى.
حماية حقوق الإنسان والأقليات: ضمان تمثيل الأقليات الدينية والعرقية في الحكومة وحمايتهم من أي انتهاكات.
علاقات خارجية متوازنة: الحفاظ على علاقات مستقرة مع دول الجوار، بما في ذلك إسرائيل، ومنع أي تهديدات من داخل سوريا تمس أمن المنطقة.
مكافحة الإرهاب الدولي: وقف أي دعم أو إيواء لجماعات أو أفراد مصنّفين إرهابيين يهددون أمن الولايات المتحدة أو حلفائها.
إنهاء الوجود العسكري الأجنبي: إزالة أو الشروع في إزالة جميع المقاتلين الأجانب من سوريا، بمن فيهم أولئك المنضوون ضمن مؤسسات الدولة والأمن.
محاسبة منتهكي حقوق الإنسان: محاكمة الأفراد والكيانات المسؤولة عن الانتهاكات الجسيمة منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
رقابة دورية صارمة: إصدار تقارير تقييم كل 180 يومًا للتأكد من التزام الحكومة السورية بالشروط الموضوعة.
ثالثاً: التحديات الداخلية وأسباب التعثر
سوء التقدير السياسي: استعجال فتح ملف العقوبات دون تهيئة بيئة داخلية قادرة على الاستجابة لشروط المجتمع الدولي.
تشتت الموقف الداخلي: ضعف الثقة بين المجتمع والدولة، وتعدد الخطابات المتناقضة من النخب السياسية والإعلامية.
غياب الورقة الوطنية الجامعة: عدم وجود مشروع وطني شامل يمثل كل السوريين ويعبّر عن إرادة جماعية للتغيير والبناء.
رابعاً: الهوية الوطنية الجامعة كمدخل للحل
إن رفع العقوبات لن يتحقق بجهد حكومي صرف، ولا بتحركات دبلوماسية منعزلة، بل عبر بناء هوية وطنية جامعة تعيد صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، من خلال:
إعادة بناء الثقة الداخلية عبر مصارحة وطنية شاملة، والاعتراف بالأخطاء، والانفتاح على قوى المجتمع المدني.
توحيد الخطاب السياسي والإعلامي بعيدًا عن الشعبوية والمزايدات، لصياغة رسالة عقلانية متزنة للمجتمع الدولي.
إصلاح داخلي حقيقي يعالج قضايا الحوكمة، والعدالة الانتقالية، والتنمية المستدامة، باعتبارها ركائز لأي مسار تفاوضي ناجح.
خامساً: خارطة طريق مقترحة
تشكيل لجنة وطنية عليا تضم ممثلين عن الحكومة والمجتمع المدني لصياغة رؤية وطنية للتعافي.
إطلاق برنامج إصلاح داخلي تدريجي يركز على الشفافية، مكافحة الفساد، وحماية حقوق الإنسان.
بناء شراكات إقليمية ودولية على أساس المصالح المشتركة، وليس ردود الأفعال أو الاصطفافات المؤقتة.
تبنّي دبلوماسية واقعية ترتكز إلى أوراق قوة داخلية، وليس رهانات على الخارج وحده.
إن الخروج من نفق العقوبات والانطلاق نحو مسار التعافي لن يكون رهناً بالتحركات الدبلوماسية وحدها، بل بتضافر جهود الدولة والمجتمع لإعادة بناء الهوية الوطنية السورية الجامعة، وصياغة مشروع وطني جامع يلتزم بالإصلاح الداخلي، ويستجيب لمتطلبات المجتمع الدولي دون التفريط بالسيادة أو الحقوق الوطنية.