مصر وسوريا.. تطبيع سياسي يتقدم ببطء
ضاعفت معلومات انتشرت في وسائل إعلام عربية أخيرا حول وجود تحفظات مصرية على سفير دمشق الجديد محمد طه الأحمد بالقاهرة، من التباين بين مصر وسوريا بسبب الهوة بينهما في الموقف من منتمين ومحسوبين على جماعة الإخوان، ما جعل التطبيع يتقدم ببطء.
يُضاف التحفظ المصري إلى فشل الزيارة التي قام بها وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني للقاهرة في 3 مايو/أيار الماضي في احداث اختراق في العلاقات بين البلدين، حيث أخفقت نتائجها المعلنة في اتمام مصالحة سياسية كاملة تنهي خلافا نشب بسبب مواصلة نظام الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع دعمه لجماعة الإخوان المسلمين المصنفة إرهابية في مصر وعدد من الدول العربية.
لم تصل العلاقات بين القاهرة ودمشق في الشارع لمستوى القطيعة الدبلوماسية، إذ عقدت لقاءات على هامش مؤتمرات دولية بين مسؤولين في كل من مصر وسوريا.
انحصرت المخرجات في تحجيم التوتر والبحث عن نقاط مشتركة تجعل العلاقات بينهما محكومة بضوابط تمنع حدوث تهديدات مباشرة للأمن المصري المنزعج أساسا من احتضان القيادة الجديدة في سوريا لعدد من القيادات المحسوبة على جماعات إسلامية متطرفة. حصل بعضها على الجنسية السورية، وتولى آخرون مناصب عسكرية رفيعة في الجيش السوري. منعت هذه العقدة تأييد مصر للثورة على نظام بشار الأسد، ونجاح الثورة في اسقاط نظامه.
بدت القاهرة متشائمة من الطريقة التي وصلت بها جبهة تحرير الشام بقيادة أبومحمد الجولاني (أحمد الشرع) إلى السلطة في دمشق. وتوقعت حدوث خلافات معها جرّاء التوجهات المتشددة للجبهة لم تتوقع حدوث تحول في رؤيتها العقائدية.
تتجنب مصر الدخول في صدامات مع الدول العربية، أو خلافات حادة مع قوى إقليمية ودولية تختلف مع توجهاتها السياسية، تسعى نحو الاحتواء وتلطيف الأجواء مع الجميع والحفاظ على حد أدنى من العلاقات الهادئة. هكذا تصرفت القاهرة مع النظام الجديد في دمشق، لكنها ظلت قلقة من تعاظم دور الجماعات الإسلامية داخل سوريا.
وصلت القاهرة إلى قناعة بأن تطبيع العلاقات مع النظام الحاكم في دمشق عملية صعبة حاليا وهو ما وضع الحكومة المصرية في حيرة، بين احتمال تفاقم التوتر مع سوريا، وبين تطور العلاقات مع السعودية، بعد أن أكدت الرياض أنها قريبة من النظام الحاكم في دمشق، وحريصة على الحفاظ على علاقات قوية مع القاهرة أيضا.
جاءت زيارة أسعد الشيباني للقاهرة مؤخرا، عقب لقاء جمع الرئيسين السيسي والشرع في قبرص، على هامش القمة العربية- الأوروبية التشاورية. أكد اللقاء والزيارة أن العلاقات بين سوريا ومصر في سبيلها لمصالحة على طريقة مصالحة مصر مع كل من تركيا وقطر على التوالي بعد فترة من التوتر بسبب تقديم أنقرة والدوحة دعما سخيا لجماعة الإخوان، وتوظيف جماعات الإسلام السياسي في مضايقة الرئيس السيسي الذي قاد ثورة شعبية ضد حكم الرئيس الإخواني محمد مرسي.
انتهت زيارة الشيباني لمصر، ولم تظهر نتائج تشير بتكرار نموذج المصالحة الذي حدث بين مصر وكل من تركيا وقطر. النظام في دمشق مختلف عن النظام الحاكم في كل من أنقرة والدوحة. لكل دولة من الدول الثلاث مواقف متباينة سياسية وعقائدية من الجماعات الإسلامية.
في سوريا، تلعب الجماعات الإسلامية بأنواعها المختلفة دورا محوريا في القرار السياسي. عقيدة النظام الحاكم مستمدة من موزاييك يضم أفكار جماعات مختلفة لها مواقف تجعل من الدين الإسلامي عنصرا مهما في الحكم.
والهدف هو تقديم نموذج إسلاموي يمكن التعايش معه بعيد عن عنف الجماعات المتطرفة وقريب من أدبيات الجماعات المعتدلة التي تمثلها في المنظور الغربي جماعة الإخوان واختبرت تجربتها في الحكم وفشلت في كل من مصر وتونس وعانت من متاعب أمنية وسياسية في دول عربية أخرى.
ترى جماعة الإخوان أن المصالحة مع النظام المصري بعيدة المنال ترفض أي تقارب بين دمشق والقاهرة، تعتقد أنها قادرة على إجبار نظام الرئيس السيسي على الرحيل قسرا وترى أن حدوث مصالحة بينهما يجهض المشروع الإسلامي الجديد في سوريا. ويجد هذا المشروع دعما من قوى إقليمية ودولية لكل منها أهداف من وراء تطوير العلاقات مع دمشق لا تصب هذه الأهداف في مصلحة مصر، يمكن أن تؤدي إلى إحياء نشاط جماعات متشددة تعرضت لتقويض في السنوات الماضية.
تثق القاهرة أن النظام الحاكم في دمشق يقوم على أساس أيديولوجي يظهر ليونة من وقت لآخر بلا تحول ملموس في الإجراءات يصعب القبول بمصالحة معه وعلى قمته قيادة لا تخفي تعاطفها مع تيار إسلامي كبير. تتعارض توجهاته مع مصر التي تعمل على تقليص وجوده في المنطقة.
لم تقدم سوريا لمصر ما يفيد أنها مستعدة للتجاوب مع مطالبها بشأن طرد عناصر تابعة للإخوان من أراضيها وسحب الجنسية منها وتسليم قيادات إسلامية للقاهرة.
الخطورة أن النظام السوري لم يقبل وضع ورقة الإخوان على الرف أو تجميد نشاطها السياسي والأمني. أصبحت كوادر الإخوان جزءا من النظام الحاكم في سوريا. يصعب تهميش دورها في السلطة تماما. القوى الغربية التي تدعم دمشق تريد تدشين تجربة جديدة تؤكد في محتواها إمكانية تصعيد تيار إسلامي- برجماتي والتفاهم معه.
لدى مصر قناعة باستحالة الحصول على هذه النتيجة. التهدئة الظاهرة على أداء النظام السوري هدفها تجاوز تحديات صعبة في بلد به خليط ديني وعقائدي وعرقي يمثل خطورة على وحدتها. عندما يشتد عود النظام الحاكم في دمشق ربما يظهر وجهه الإسلامي الحقيقي بعد تجاوز مجموعة كبيرة من العقبات الأمنية.
قد يواجه الرئيس أحمد الشرع انقلابا، إذا تخلى عن بعض من حلفائه الإسلاميين، وقبل بمطالب مصر بشأن تجميد نشاط الإخوان لإجراء مصالحة سياسية معها.
اعتمد منهج المصالحة مع تركيا على ما أظهرته من مرونة في الاستجابة لمطالب القاهرة بشأن الموقف من الإخوان. النظام الحاكم في أنقرة يملك برغماتية تجعله يؤمن أن ورقة الإخوان لم تعد مؤثرة بكثافة في السياسة الإقليمية.
فكرت قطر بطريقة أكثر حنكة. الفرق بينها وبين تركيا أن الدوحة تتعامل مع التيار الإسلامي باعتباره أداة من أدوات السياسة الخارجية، بينما تركيا جزء من أيديولوجية الحزب الحاكم (العدالة والتنمية) هو حزب براغماتي يتقن الإنحناء أمام العواصف إذا كانت سوف تكبده خسائر كبيرة مع دولة مثل مصر. توجد مصالح استراتيجية كبيرة معها في كل من شرق البحر المتوسط، ليبيا السودان، ومنطقة القرن الأفريقي.
الخلاصة: لن تحدث مصالحة بين مصر والنظام الحالي في سوريا بسبب عدم قدرة دمشق عن الاستجابة للحد الأدنى لمطالب مصر بشأن جماعة الإخوان، التي سوف تظل صخرة تتعثر عليها كل محاولة جادة للتقارب بين البلدين، ما يعني أن تجربة مصالحة مصر وتطبيع العلاقات مع كل من تركيا وقطر غير قابلة للتكرار مع سوريا.