بعد فضيحة التجسس: هل انقلب السحر على الساحر

كيف يمكن للكونغرس أن يُقر تشريعاً يوسع نطاق تبادل المعلومات والتعاون التكنولوجي مع دولة تُصنف في الوقت نفسه على أنها تهديد تجسس بالغ الخطورة؟

قضية التجسس الإسرائيلية التي كشفتها صحيفة 'نيويورك تايمز' على المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف ومسؤولين في البنتاغون، وصنفتها الاستخبارات بأنها "تهديد تجسسي بالغ الأهمية"، هي دليل جديد على تأزم في العلاقات بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والذي تصاعد حول كيفية المضي قدماً في الحرب مع إيران وحزب الله في لبنان.

هي بالطبع ليست المرة الأولى، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة، فقد سبقها الكثير من حوادث التجسس التي تكشف عن محاولات تل أبيب للتمرد على الضغوط الأميركية بحثاً عن مصالحها، حتى ولو على حساب راعيها الأول. منذ حادثة سفينة التجسس الأميركية 'يو إس إس ليبرتي' التي قصفها الطيران الإسرائيلي قرب سواحل سيناء المصرية في 8 يونيو/حزيران 1967 وبرغم أنها كانت في الأصل تراقب تحركات الجيش المصري، فإن موشي ديان، وزير الدفاع في ذلك الوقت، أمر بضربها حتى لا تنقل تحركات القوات الإسرائيلية وهي تتجه لاحتلال القدس، وهو ما كانت ترفضه الإدارة الأميركية وقتها. وأدى الهجوم إلى مقتل 34 من البحارة الأميركيين.

وفي منتصف ثمانينيات القرن الماضي، قام الأميركي جوناثان بولارد بتسريب آلاف الوثائق السرية والحساسة إلى إسرائيل. شملت هذه الوثائق معلومات استخباراتية تفصيلية حول الأسلحة العربية، وأنظمة الدفاع الجوي، وتحركات عسكرية في الشرق الأوسط، وهي معلومات كانت الولايات المتحدة تحجبها عن إسرائيل رغم التحالف بينهما.

ما كشفته 'نيويورك تايمز' جاء في الوقت الذي ينظر فيه الكونغرس في المادة 224 كجزء من قانون تفويض الدفاع الوطني، والتي تهدف إلى تعميق وتنسيق التعاون التكنولوجي الدفاعي بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ويركز هذا البند على التحديات المشتركة، وفي مقدمتها التكنولوجيا العسكرية، بما في ذلك أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، والدفاع الصاروخي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني.

لكن يبقى السؤال: كيف يمكن للكونغرس أن يُقر تشريعاً يوسع نطاق تبادل المعلومات والتعاون التكنولوجي مع دولة تُصنف في الوقت نفسه على أنها "تهديد تجسس بالغ الخطورة"؟

قبل شهرين، استقال جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب الذي عينه ترامب، وشن هجوماً غير مسبوق على إسرائيل، مؤكداً أن إيران لا تشكل تهديداً مباشراً، واتهم تل أبيب ومؤيديها في الكونغرس بجرّ أميركا إلى حرب لا داعي لها. كما ربط وفاة زوجته في سوريا بنزاع زعم أن إسرائيل ساهمت في إشعاله.

اتهامات كينت هي نفسها وجهة نظر تولسي غابارد، المديرة السابقة للاستخبارات الوطنية، التي أبدت معارضة شديدة لأي مواجهة عسكرية مع إيران. وهناك مؤشرات ذكرتها بعض الصحف الأميركية بأنها أُجبرت على الاستقالة بسبب تلك الخلافات.

ما سبق يمكن ربطه بمحاولة تقييد صلاحيات الرئيس ترامب، الذي يخشى أن يعيد استئناف الضربات ضد إيران تحت ضغوط نتنياهو.

إذن، الأمر الذي يتأكد في كل مرة هو أن هناك خلافات حادة بين الجانبين وليس هذا فحسب، بل إنه في الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل للبحث عن مصالحها، حتى لو كانت تتعارض مع واشنطن، فإن الدولة العميقة أو بعض أجهزة مجتمع الاستخبارات في الولايات المتحدة بدأت تتحسب للمخاطر المتهورة القادمة من تل أبيب، التي أضرت كثيراً بمصداقيتها كدولة عظمى، ربما لأول مرة بمثل تلك الصورة.

فالأضرار والخسائر التي تعرضت لها الولايات المتحدة بشكل عام، والرئيس دونالد ترامب بشكل خاص، كشفت أن صناعة القرار في واشنطن يشوبها الكثير من النواقص التي ترتد عكسياً على مصداقيتها وقدرتها في التعامل مع القضايا الاستراتيجية والسياسية، خاصة فيما يتعلق بالحلفاء. ويكفي أن حرباً كان يُنظر إليها على اعتبار أنها نزهة عسكرية ومضمونة النتائج تسببت في انقسام تاريخي لن يتم علاجه، ولا حتى في المستقبل القريب، بين ضفتي الأطلسي.

أما ترامب، فقد كشفت تصريحاته المتباينة خلال الحرب عن قدر من التناقض والارتباك الاستراتيجي، بدا غير مألوف بالنسبة لرئيس يقود أكبر قوة في العالم.

ولعل المؤشر الأبرز على حجم التحولات التي أحدثتها الحرب لا يظهر فقط داخل المؤسسات الأميركية، بل أيضاً في التراجع غير المسبوق لصورة إسرائيل لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي. قبل أيام، أظهر استطلاع أجراه مركز “بيو” وشمل 36 دولة آراءً سلبية متصاعدة تجاه إسرائيل عالمياً، بما في ذلك بين الحلفاء الرئيسيين، في حين تراجعت الثقة في نتنياهو بشكل حاد في معظم أنحاء الغرب.

شمل الاستطلاع 44,657 مشاركاً في 36 دولة، وهو واحد من أكبر الدراسات الدولية التي أُجريت منذ الحرب مع إيران. ووجد أن 67 في المئة من البالغين الذين شملهم الاستطلاع يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنة بـ25 في المئة ممن ينظرون إلى البلاد بشكل إيجابي.

فعلياً، كانت هناك دائماً محاولات لخروج إسرائيل من الفلك الأميركي. وقبل أسابيع، أعلن نتنياهو عزمه الاستغناء عن المعونة الأميركية لإسرائيل. وليست هذه أيضاً هي المرة الأولى، فسبق أن أعلن مناحم بيغن، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، عزمه إلغاء اتفاقية التعاون مع الولايات المتحدة. كما أن ديفيد بن غوريون قرر، في ديسمبر 1949، رغم غضب الولايات المتحدة والعالم، نقل العاصمة إلى القدس. كذلك وقف في وجه ضغوط الرئيس جون ف. كينيدي، الذي سعى لوقف بناء المفاعل النووي في ديمونا.

في كثير من الأحيان، نجحت تل أبيب في مواجهة ضغوط الإدارات الأميركية المتعاقبة، لأنها حظيت بدعم حازم لا لبس فيه من المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة، ودعم الرأي العام الأميركي، وأخيراً دعم الحزبين في الكونغرس بواشنطن.

برغم حجم الخلاف المتصاعد، فإنه من المستبعد أن يؤدي إلى صدام حاسم. ولا تكاد توجد مقولة عن الحرب أكثر شيوعاً من مقولة المفكر العسكري الشهير كلاوزفيتز "الحرب مملكة عدم اليقين". ويمكن أن تكون معبرة عن الأشهر الثلاثة الماضية، المليئة بالمفاجآت فيما يتعلق بالعلاقة بين الحليفين ترامب ونتنياهو، وكأن السحر انقلب على الساحر.