بول مورلاند: الأرقام ترسم مصير البشرية بين الماضي والمستقبل
يشكّل كتاب "البشر في المستقبل: مستقبل البشرية في عشرة أرقام" للمفكر البريطاني بول مورلاند محاولة جريئة لاستكشاف مسار البشرية عبر معطيات سكانية دقيقة، حيث يستند المؤلف إلى الأرقام والإحصاءات باعتبارها بوابة لفهم التحولات الكبرى التي تطبع عالمنا المعاصر. فالكتاب لا يكتفي برصد الحاضر، بل يضع القارئ أمام استشراف علمي لمستقبل الإنسان، انطلاقًا من مؤشرات النمو السكاني، ومتوسط العمر، وأنماط الخصوبة، والهجرة، والتحضر، والتعليم، والتغذية، وغيرها من المتغيرات التي تعكس تداخل الديموغرافيا مع الاقتصاد والسياسة والثقافة.
الكتاب الذي ترجمه أحمد سمير درويش وصدر عن مؤسسة هنداوي وفقا لمقدمة مورلاند ينطلق من فرضية بسيطة ولكنها عميقة في الوقت ذاته، وهي أن الأرقام ليست مجرد انعكاسات باردة لواقع اجتماعي، بل هي محركات كبرى للتاريخ وصانعة للتحولات الحضارية، وأن المستقبل الذي نراه ضبابيًا في أذهاننا يمكن أن يرسم ملامحه بوضوح حين نقرأ لغة الأرقام في سياقها التاريخي. من هنا، يتعامل مورلاند مع السرد الديموغرافي باعتباره وسيلة لفهم الماضي والحاضر، ونافذة لاستشراف المستقبل، وهو بذلك يقدّم عملًا يتجاوز التحليل الأكاديمي البحت ليصبح خطابًا موجهًا إلى الإنسانية بأسرها.
يرى مورلاند أن سؤال المستقبل لا يمكن أن يُطرح دون العودة إلى سؤال الأصل: كيف وصل البشر إلى ما هم عليه الآن؟ في إجابته على هذا السؤال، يربط بين مسار الأعداد البشرية عبر آلاف السنين وبين قدرة المجتمعات على التكيّف مع التحديات البيئية والاقتصادية والسياسية. يقول إن "الإنسان الحالي ليس إلا نتاج سلسلة طويلة من التحولات في معدلات المواليد والوفيات، في أنماط التغذية، وفي متوسطات العمر، وأن هذه التحولات تركت بصماتها على البنية الاجتماعية والسياسية والثقافية للمجتمعات. فالمجتمع الزراعي، على سبيل المثال، لم يكن مجرد انقلاب اقتصادي أنتج الغذاء، بل كان لحظة تأسيسية لإعادة تشكيل الوعي البشري، حيث أدرك الإنسان للمرة الأولى أنه قادر على الاستقرار والتحكم في بيئته، وأنه لم يعد مرهونًا بحركة الصيد والترحال".
ويؤكد أن التاريخ البشري يمكن أن يُقرأ بوصفه سلسلة من "الثورات السكانية". هذه الثورات ليست مجرد زيادة في عدد السكان، بل هي نقاط انعطاف كبرى غيّرت وجه العالم. فالانتقال من مجتمعات الصيد إلى الزراعة كان ثورة، كما كانت الثورة الصناعية التي أطلقت انفجارًا سكانيًا آخر. وفي كل مرة، لم يكن التغير الديموغرافي معزولًا عن سياقه، بل كان مرتبطًا بظهور أنماط جديدة من السلطة، وبروز مؤسسات اقتصادية وثقافية ودينية تعكس حجم الكتلة البشرية وتلبي حاجاتها. ومن هنا، فأن المجتمعات التي نجحت في التعامل مع التحولات الديموغرافية استطاعت أن تبني حضارات قوية، بينما المجتمعات التي عجزت عن ذلك كانت أكثر عرضة للانهيار أو التهميش.
هذه الرؤية لمورلاند تمنح الديموغرافيا قوة تفسيرية تتجاوز الأرقام إلى جوهر الحضارة. إنها ما يسميه "المفتاح الصامت للتاريخ"، ذلك المفتاح الذي يفتح لنا أسرار صعود الإمبراطوريات وانحدارها. وهو يذكّرنا بأن التوسع الإسلامي في القرون الوسطى، مثلًا، لم يكن مجرد حركة عسكرية أو دينية، بل كان مدعومًا بزخم سكاني هائل في شبه الجزيرة العربية وشمال أفريقيا. وكذلك، فإن التوسع الأوروبي في العصر الحديث لم يكن ليحدث لولا الثورة السكانية التي أفرزت فائضًا بشريًا يحتاج إلى أراضٍ جديدة وأسواق أوسع.
بعد هذه العودة التاريخية، ينقلنا مورلاند إلى الحاضر حيث يقف العالم أمام مفترق طرق جديد. فـ"الأرقام تقول إن البشرية ستواصل نموها، لكن النمو لم يعد بالوتيرة نفسها التي شهدناها في القرنين الماضيين. فمعدلات الخصوبة تتراجع في معظم مناطق العالم، والرغبة في إنجاب أعداد كبيرة من الأطفال لم تعد تمثل قيمة اجتماعية عليا كما في السابق، بل أصبحت عبئًا اقتصاديًا في مجتمعات يغلب عليها الطابع الحضري. ومع ذلك، فإن متوسطات العمر في ارتفاع مستمر، والرعاية الصحية تتحسن، والتغذية والتعليم يبلغان مستويات غير مسبوقة، ما يعني أن نسبة كبار السن في تزايد دائم، وأن صورة المجتمع العالمي ستكون أكثر رمادية من أي وقت مضى".
لكن وفقا لمورلاند هذه الصورة ليست موحدة، فالعالم ليس كتلة متجانسة. ويلفت الانتباه إلى أفريقيا جنوب الصحراء، التي ما زالت تعيش مرحلة الانتقال إلى الحداثة الديموغرافية. هنا، شهدت العقود الأخيرة انخفاضًا في وفيات الرضع وتحسنًا ملحوظًا في متوسط العمر المتوقع، لكن معدلات الخصوبة لا تزال مرتفعة مقارنة ببقية العالم. وهذا يعني أن القارة الأفريقية ستكون ساحة رئيسية للتحولات السكانية في القرن الحادي والعشرين، وأنها ستمثل "الموجة الأخيرة" من الزيادة السكانية الكبرى قبل أن يستقر العالم نسبيًا.
مع ذلك، يحذّر مورلاند من أن هذا "المسار قد لا يكون سلسًا، فثمة تهديدات كبرى تقف على الطريق. وهو يعدد أربعة تهديدات أساسية: الكوارث البيئية، الحروب، الأوبئة، والانهيارات الاقتصادية. وفي مقدمتها يضع الاحترار العالمي، فارتفاع درجات الحرارة وذوبان الجليد وارتفاع مستويات البحر قد يؤدي إلى كوارث زراعية وهجرات بشرية جماعية". لكنه في الوقت ذاته لا يقع في فخ الرؤية الكارثية المطلقة، بل يشير إلى إمكان "أن تسهم التكنولوجيا الحديثة في تقديم حلول، سواء عبر الطاقة المتجددة أو الزراعة الذكية أو مشاريع استخلاص الكربون من الغلاف الجوي".
أما الحروب، فيرى مورلاند أنها فقدت قدرتها السابقة على إحداث تحولات ديموغرافية ضخمة، فالحرب العالمية الثانية مثلًا غيرت وجه أوروبا سكانيًا، لكن الحروب الحديثة، مثل الحرب في سوريا، لم تُحدِث التأثير نفسه، رغم المآسي الإنسانية التي خلفتها. فالموت في المعارك لم يعد العامل الأكثر أثرًا، بل الهجرة والنزوح هي التي ترسم التوازنات السكانية اليوم.
وبالنسبة إلى الأوبئة، يخصص مورلاند مساحة للحديث عن جائحة كوفيد-19، مؤكدًا أنها شكّلت تحديًا عالميًا خطيرًا لكنها لم تترك أثرًا ديموغرافيًا عميقًا كالإنفلونزا الإسبانية. فقد كان أثرها الاقتصادي أكبر بكثير من أثرها السكاني، ومعدلات الوفيات والخصوبة عادت إلى مساراتها الطبيعية بعد انقضاء الوباء. وهذا في نظره يثبت أن البشرية باتت أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات الصحية.
وفي ما يتعلق بالانهيارات الاقتصادية، يشير مورلاند إلى أنها أخطر على الدول الفقيرة التي لا تمتلك شبكات أمان اجتماعي قوية، لكنها حتى الآن لم توقف المسار العام لانخفاض وفيات الأطفال وارتفاع متوسط العمر. ويضرب مثالًا بأزمة 2008 التي هزت الاقتصاد العالمي لكنها لم توقف التقدم الديموغرافي في مجمله.
ثم يفتح مورلاند أفقًا بعيدًا للخيال العلمي، متسائلًا عن الحدود القصوى للعمر البشري. فـ"إذا كان متوسط العمر في بعض الدول المتقدمة قد بدأ يتباطأ، فإن التقدم العلمي قد يعيد رسم المعادلة جذريًا. وماذا لو تضاعف متوسط العمر إلى مئتي عام؟ كيف ستبدو أنماط التعليم والعمل والعلاقات الأسرية؟.
هنا، يدخل مورلاند إلى منطقة الأسئلة الأخلاقية الكبرى، حيث يلفت إلى أن التكنولوجيا ستفصل بين الخصوبة والممارسة الجنسية، وأن الأطفال قد يحملون جينات أكثر من والدين اثنين، وأن اختيار الجينات قد يصبح ممارسة رائجة، ما يفتح الباب أمام نقاشات فلسفية وأخلاقية عميقة حول معنى الأسرة والهوية. ويذهب أبعد من ذلك حين يشير إلى احتمالات تخزين الوعي البشري ونقله إلى أجساد جديدة أو حتى إلى عوالم افتراضية، وهو سيناريو أقرب إلى الخيال العلمي لكنه يعكس في نظره الاتجاه العام نحو انهيار الفئات الديموغرافية التقليدية التي عشنا بها قرونًا طويلة.
وفي خاتمة كتابه، يطرح مورلاند ما يسميه "المعضلة الثلاثية لما بعد الحداثة"، وهي "معضلة تقوم على استحالة الجمع بين ثلاثة عناصر: النمو الاقتصادي، الحفاظ على الهوية العرقية، والتمسك بالأنانية الفردية التي تحد من الإنجاب. فاليابان مثلًا اختارت الحفاظ على هويتها العرقية فدفعت ثمنًا من نموها الاقتصادي، بينما بريطانيا فتحت أبوابها للهجرة فخسرت جزءًا من نقاء تركيبتها السكانية، أما إسرائيل فقدمت نموذجًا مختلفًا حيث سعت إلى الجمع بين النمو والهوية عبر تشجيع الإنجاب على حساب الفردانية.
ويختتم مورلاند بالتأكيد على أن مستقبل البشرية لن تحدده "القدرية العمياء"، بل الخيارات الواعية التي يتخذها الناس اليوم. المستقبل، في نظره، ليس قدرًا محتومًا، بل هو نتاج قرارات وثقافات وسياسات وأولويات تحددها المجتمعات، وكل خيار من هذه الخيارات يرسم طريقًا مختلفًا للغد. وهنا تكمن رسالة الكتاب الأساسية: أن فهم الديموغرافيا لا يعني الاستسلام للأرقام، بل يعني إدراك أن هذه الأرقام تمنحنا حرية اتخاذ القرار وصياغة المستقبل.
إن كتاب بول مورلاند يتجاوز كونه دراسة في علم السكان، حيث يصبح دعوة لإعادة التفكير في مصير البشرية ككل، من خلال فهم العلاقة الجدلية بين الأرقام والقيم، بين التحولات الصامتة في معدلات الولادة والوفاة والتحضر، وبين الأسئلة الكبرى التي تطرحها المجتمعات حول هويتها وغاياتها..