تأثير الإخوان المسلمين في صنع القرار السعودي "بين عهدين" (2)

 الصعود المفاجئ لتأثير الإخوان ممثلا في حزب الإصلاح اليمني فرع تنظيم الاخوان المسلمين في اليمن لم يكن حباً في الأيديولوجيا، بل لضرورات الميدان.

الحلقة (2) كيف استعاد "الإخوان" مفاتيح التأثير في عهد الملك سلمان وولي عهده؟

 توقفنا في الحلقة السابقة عند التساؤل الجوهري: كيف تحول المشهد من "اجتثاث وتصنيف إرهابي" في عهد الملك عبدالله، إلى "مرونة وصعود" في عهد الملك سلمان وولي عهده؟

 للإجابة على ذلك، يجب أن نغوص في كواليس المؤسسات السيادية والتحالفات الإقليمية التي أعادت صياغة المشهد.

 أولاً: نظرية "الواقعية السياسية" والملف اليمني

يرى مراقبون أن الصعود المفاجئ لتأثير الإخوان (ممثلا في حزب الإصلاح اليمني فرع تنظيم الاخوان المسلمين في اليمن) لم يكن حباً في الأيديولوجيا، بل لضرورات الميدان. فمع انطلاق "عاصفة الحزم"، وجد صانع القرار السعودي نفسه أمام خيار وحيد لتشكيل حائط صد على الأرض ضد التوسع الحوثي، وهو التنظيم العسكري والقبلي لحزب الإصلاح.

المفارقة: بينما كانت القوائم الرسمية تصنفهم "إرهابيين"، كانت غرف العمليات المشتركة تستقبل قياداتهم.

النتيجة: تحول "الإصلاح" من مطارد سياسياً إلى "شريك في الغرفة المغلقة وجيشاً في الفضاء الإعلامي"، مما منح الإخوان في السعودية قبلة حياة جديدة تحت غطاء "الضرورة الوطنية".

 ثانياً: الاختراق المؤسسي "الهادئ "

خلافاً لعهد الملك عبدالله الذي اتسم بالمواجهة المباشرة وتجفيف المنابع، اعتمد الإخوان في عهد الملك سلمان استراتيجية "الانحناء للعاصفة" ثم "التغلغل الناعم". تشير المعطيات إلى أن عناصر محسوبة على التيار الإخواني... استطاعت الحفاظ على مواقعها داخل مفاصل استشارية وإعلامية حساسة عبر: إظهار الولاء المطلق لـ"رؤية 2030": لضمان البقاء في دائرة الضوء. المتماهي مع الخطاب الوطني الجديد: مع الاحتفاظ بالشبكات التنظيمية في الظل.

 ثالثاً: التناقض بين "الاوراق والواقع"

 إن الحديث عن وجود قرارات "ورقية" ليس مجرد تحليل، بل واقع تفرضه المعاملات السياسية. فمنع قيادات الإخوان من دخول المملكة "علنياً" قابله استضافة رسمية "فعلياً " تحت مسميات عدة (لاجئين سياسيين، أو مستشارين للمرحلة). هذا التناقض ولّد حالة من الضبابية لدى المواطن السعودي والمراقب الخارجي، ومدعاة التساؤلات، فهل جماعة الاخوان المسلمين عدو أم حليف؟؟!

 رابعاً: البعد الإقليمي و"توازن القوى"

في عهد الأمير محمد بن سلمان، فقد اتسمت السياسة الخارجية بالبراغماتية الشديدة. في عهد محمد بن سلمان، حين تهاجم الآلة الإعلامية السعودية "إخوان مصر"، نجد تقاربا في ملفات أخرى يكون فيها الإخوان المسلمين كفاعل أساسي. ذلكم "الارتباك" الظاهري هو في الحقيقة محاولة لإمساك العصا من المنتصف واستخدام ورقة الإخوان كأداة ضغط في التوازنات الإقليمية ضد أطراف أخرى.

 الخلاصة: إن ما يحدث اليوم ليس "عفوياً"، بل هو نتاج تداخل المصالح الأمنية بالرؤى السياسية الجديدة. لقد استثمر الإخوان المسلمون حاجة الدولة لظهير شعبي ومنظم في حروبها الخارجية، ليعيدوا بناء جسورهم التي هُدمت في العهد السابق، ولكن هذه المرة "تحت غطاء الشرعية".

 خامساً: نقاط الاتفاق بين الإخوان المسلمين والسلطة السعودية

 فمع تزايد نقاط الاتفاق بين الإخوان الإسلاميين والسلطة السعودية في عهد الملك سلمان بشكل ملحوظ استبشروا بذلك خيرا بل تجل ابتهاج رموز الإخوان المسلمين السعوديين بالعهد الجديد والمريح على الصعيدين الداخلي والاقليمي.. بالمدائح الشعرية لبعض الإخوان: الإسلاميين في الملك سلمان وولي عهده....

 ومن أبرز نقاط الاتفاق في الملف السوري الذي يشتركا في رؤية شبه موحدة بضرورة دعمهما للصراع السوري   معنويًا وماديًا. اضافة الى والقمع والمحاربة بعنف الحركات والمكونات التي يرونها الإخوان المسلمين خطرا عليهم أو على فروع تنظيمات الإخوان في أي مكان.

وغير بعيد عن ذلك ما حدث في صحراء ووادي محافظة حضرموت ومحافظة المهرة جنوب اليمن حيث غدرت وفتكت السلطة الحاكمة في السعودية وبحليفها بل بظهيرها القوي المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات الجنوبية التي لا تملك غطاء جويا.

فقد شنت قصفا جويا عنيفا ووحشي بسلاح الجو السعودي تجاوز الـ480 غارة في أقل من 48 ساعة في حين شن سلاح الجو السعودي على الحوثيين فقط 1300 غارة خلال عشر سنوات ولكم أن تقارنوا مدى بشاعة وخبث وعنجهية وعربدة الطيران السعودي على قوات حليفها الانتقالي الجنوبي ومدى تراخيها وتغاضيها على العدو الحقيقي الحوثي.

 وفي تعاون وتنسيق مع قوات الإخوان المسلمين الداعشية والقاعدية المتخادمة مع مليشيا الحوثي لطرد وتدمير قوات الانتقالي الجنوبية وهي الوحيدة التي حققت انتصارات عظيمة وساحقة وهزمت مليشيا الحوثين وطردتهم من العاصمة عدن والمحافظات الجنوبية المحررة، ولم تكتف بقصف طيرانها الحربي القوات الانتقالي الجنوبية في صحراء ووادي حضرموت وبل طاردتها وهددت بقصفها إذا لم تنسحب من معسكراتها في  العاصمة عدن خلال ساعات ولكن رغم استجابة القوات الانتقالي الجنوبية لتهديد المملكة السعودية واخذه مأخذ الجد، تفاجأ الجميع أنه أثناء وبعد خروج القوات الجنوبية من عدن تحت ضغط التهديد السعودي لاحقها الطيران السعودي وقصفها بصواريخ الطيران وتدميرها بوحشية وعنجهية أكبر من تلك الوحشية والعنجهية التي نفذها سلاح الجو السعودي في حضرموت والمهرة.

 ولم تكتف بذلك بل قصف طيرانها الحربي بالوحشية ذاتها مساكن المواطنين المدنيين في منطقة زبيد في محافظة الضالع وفي نقيل الربض سقط خلالها نحو 40 شهيدا من المسنين والأطفال والنساء وعددا تجاوز الـ200 جريح خلال أقل من ساعة واحدة وذلك في قلب الجبهة الصامد في مقاومة مليشيا الحوثي..

والعجيب والغريب أنه تزامن مع ذلكم القصف، قصف مماثل من مليشيا الحوثي للقوات الجنوبية بجبهة الضالع كتمهيد لاجتياح جبهة الضالع بما يكشف مدي التخابر والتنسيق بين السعودية ومليشيات الإخوان المسلمين القاعدية والداعشية من جهة...، ومليشيا الحوثي من جهة أخرى.

 وما سبق يدحض كلية سردية السعودية أن تدخلها وقصفها العسكري الوحشي في حضرموت والمهرة والضالع ليس للدفاع عن أمنها القومي كما ادعت زورا وبهتانا بل هي في حقيقة الأمر حرب دينية لدى الطرفين، المملكة ومليشيات "الاخوان المسلمين القاعدية والداعشية ".

 ويدحض بجلاء لا لبس فيه ادعاءات وسرديات السعودية التي تسوق لها منذ عشر سنوات ونيف أن حربها على الحوثي هي للتصدي للمد الشيعي في المنطقة الذي يمثله "الحوثيون" في اليمن

يبقى السؤال الأهم: إلى متى ستستمر هذه العلاقة القائمة؟ وهل يدرك صانع القرار السعودي مخاطر هذا النفوذ المتصاعد في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة؟ ومدى تأثيرها على اليمن والجنوب العربي، والإقليم والقرن الافريقي؟

هذا ما سنناقشه في الحلقة  (3) والتي سنتناول فيها استشراف مستقبل هذه العلاقة وانعكاساتها على استقرار القرار السيادي السعودي، وعلى المنطقة والاقليم، والقرن الافريقي.

وللحديث بقية..