تناقضات لا تُحسم إلا بتغيير النظام
الكلام لا يمكن أن ينوب عن الفعل، مثلما أنه لا يغيّر من الواقع شيئًا، لكن يبدو أن هذه القاعدة تستثني النظام الحاكم في إيران، الذي يحاول دائمًا أن يجعل كلامه ليس أكثر من فعله فحسب، بل ينوب عنه أيضًا، ساعيًا لإيهام الآخرين بأنه يغيّر الواقع نحو الأفضل، تمامًا كما كان يحاول غوبلز في تعامله مع الكذب والصدق.
الغزلان عند مطاردتها من قبل الأسود والنمور، لو لم تلتفت إلى الخلف لكان من الصعب اللحاق بها وافتراسها. لكنّ الحكم السائد في إيران يبدو أكثر مهارة من الغزلان، لأنه لا يلتفت إلى الخلف مطلقًا، بل هو في حالة هروب مستمرة إلى الأمام، غير آبه بما جرى ويجري خلفه.
وبهذا الصدد، تظهر العديد من الحالات المضحكة المبكية التي تعكس التناقضات في الحكم الكهنوتي السائد في إيران. فقد نشرت وزارة الخارجية الإيرانية ما سمّته "التقرير السنوي الإيراني يروي حالات انتهاك حقوق الإنسان في أمريكا وبريطانيا"، في محاولة لتصوير البلدين على أنهما منتهكان لحقوق الإنسان. ولسنا هنا بصدد الدفاع عن البلدين المعنيين، لكن مقارنة بسيطة بينهما وبين إيران كفيلة بكشف الحقيقة من تلقاء نفسها.
وفي السياق نفسه، وتزامنًا مع نشر ذلك التقرير، صدرت في إيران أخبار مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان. الخبر الأول أفاد بأنه خلال يومَي الأحد والاثنين، 9 و10 نوفمبر الجاري، تم تنفيذ 30 عملية إعدام على الأقل، أي بمعدل إعدام شخص كل ساعة ونصف.
أما الخبر الثاني، فنشرته صحيفة "پیام سپیدار" الحكومية يوم الاثنين 10 نوفمبر 2025، في تقرير بعنوان "العثور على 74 جثة مجهولة الهوية في قاع سد كرج الجاف… ما القصة؟"، قبل أن تعمد السلطات إلى حذف الخبر من موقع الصحيفة، لعلمها بأن الشعب سيقرأ ما بين السطور.
وجاء في تفاصيل الخبر "منذ بدء جفاف السد وحتى شهر سبتمبر، تم العثور على 74 جثة مجهولة الهوية في قاعه. وكانت الجثث بمعظمها مقيّدة اليدين والقدمين، وموضوعة داخل أغطية مثل أكياس بلاستيكية أو سجاد أو موكيت، ثم أُلقِيَت في السد. وحتى الآن لم تُصدر الجهات القضائية أو الأمنية أي توضيح بشأن هوية الضحايا أو أسباب وفاتهم".
ولا حاجة لشرح إضافي، فالخبر يتحدث عن نفسه، والجهة التي حذفته بدل التحقيق فيه تفضح نفسها بنفسها. لكن الأمر لا يتوقف عند حدود انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، بل يشكّل قصة مستمرة تشمل مختلف الأوضاع والمجالات الأخرى.
وفي هذا السياق، اعترف الرئيس الإيراني يوم الثلاثاء الماضي، 10 نوفمبر، وخلال جلسة علنية للبرلمان، قائلا "لا يمكننا أن نحكم والشعب جائع"، لكنه، في الوقت نفسه، لم يوضح سبب معاناة الشعب من الجوع في بلد يملك ثروات وإمكانات هائلة. فلا أحد يجرؤ على القول إن سياسات النظام، التي تنفذها الحكومات المتعاقبة سواء كانت أصولية أم إصلاحية، هي السبب المباشر.
الصورة في إيران، رغم كل التصريحات البراقة والمزاعم التي لا تقدّم ولا تؤخّر، تبدو ضبابية، وتشير معظم المؤشرات إلى أنها تسير نحو الأسوأ، خصوصًا مع هيمنة التناقضات الصارخة على المشهد الإيراني. ولا يمكن حسم هذه التناقضات إلا بتغيير جذري في النظام نفسه.