'حادثة اختفاء' لجلين دياز: حين يسقط الجنرال وتشتعل البيوت
حين يسقط الجنرال المتقاعد مكبَّلًا أمام الجيران، لا يتوقف المشهد عند سقوط رجلٍ عجوز من زمن القمع، بل يبدأ معه احتراق حاضر بأكمله. ففي رواية "حادثة اختفاء" للروائي الفلبيني جلين دياز، التي ترجمتها عن الإنكليزية إيناس حلمي عبدالحميد، وصدرت عن دار العربي، يلتقي الماضي الدموي بالحاضر البائس، ويتحوّل الحريق الذي يلتهم الحيّ الشعبي إلى استعارة كبرى عن بلدٍ لم يتطهّر من خطاياه. هنا تتجاور سيرة البطلة مع صرخات المهمشين وذاكرة الأب الغائب والأخت الراحلة، لتصبح الرواية نصًا عن تلاشي الأمان والعدالة والبيت، وعن حضور الجنرال كظلّ لا يزول حتى بعد سقوطه.
الرواية تتسم أحداثها بالتشظي وتداخل الأزمنة والأمكنة، فهي ليست خطيّة بالمعنى التقليدي، بل تنفتح على لوحات مشهدية متعاقبة تُبرز يوميات حيّ شعبي في مانيلا، حيث تختلط أصوات الناس، والجنرال المتقاعد، وأخبار الحريق، وسيرة البطلة "إينيجا". تبدأ القصة من واقعة غامضة مرتبطة بالجنرال والقبض عليه، ثم تتسع لتشمل فضاءً أكبر: الحريق الذي يلتهم الحي، مأساة النزوح، مركز الإيواء، عودة الذاكرة إلى طفولة البطلة وأسرتها، تداخل سيرة الأب الغائب والأخت الراحلة، وتفاصيل حياتها الممزقة بين الماضي والحاضر.
الأحداث هنا ليست غايتها التشويق البوليسي أو كشف لغز اختفاء فقط، بل تعكس انهيارًا مجتمعيًا في بلد يعيش أزمات سياسية واقتصادية خانقة. الحريق مثلًا يتجاوز كونه حادثًا عرضيًا ليصبح استعارة لاحتراق المجتمع نفسه، وتواطؤ السلطة والإهمال، وتكرار المأساة بلا أفق للنجاة. من خلال الأحداث نلمح دومًا سؤال المصير الفردي والبحث عن معنى وسط الخراب، فالرواية تُعيد رسم حياة المهمشين الذين يُلتهمون مع منازلهم، في مقابل نخب سلطوية متواطئة.
الشخصيات في الرواية ليست مجرد أفراد يتحركون على مسرح الحكاية، بل هي خيوط متشابكة تُحاك منها صورة مجتمعٍ منكسر. كل شخصية تحمل أثرًا يتعدى ذاتها، فهي مرآة لطبقة أو تاريخ أو جرح جماعي، ومن خلالها تتكشف طبقات الرواية ومضامينها. في قلب هذا النسيج تقف إينيجا، المرأة التي تبدو كأنها شاهدة على خراب متكرر، وفي الوقت ذاته طرف داخله، فهي المثقفة التي عرفت التدريس والكتابة والترجمة، لكنها تسكن بين الفقراء والمهمشين، وتدخن سجائرها في الشارع كواحدة منهم. وجودها كاشف لحالة ازدواج: بين الانتماء إلى عالم الكتابة والعمل الذهني، والانغماس في واقع حي شعبي لا يرحم. لذلك فإن علاقتها ببقية الشخصيات ليست مجرد علاقات اجتماعية، بل هي وسيلة لرؤية توازنات القوة، الصراع الطبقي، والحنين إلى بيت وأب وأخت رحلوا.
وحين يظهر الجنرال المتقاعد، فإن حضوره لا يُقرأ كشخصية منفردة، بل كظلٍّ من الماضي الذي يثقل على الحاضر. مشهد القبض عليه أمام أعين الجيران لا يقتصر على كونه واقعة بوليسية صاخبة في حي فقير، بل هو لحظة تعرٍّ لتاريخ دموي ظلّ يُدار في الظل. الجنرال ليس مجرد رجل شاخ وتوارى نفوذه، بل هو مرآة لجيل من العسكر الذين صنعوا الخراب، أحرقت أيديهم القرى، وطاردوا الفلاحين، وتركوا خلفهم أرامل وأيتامًا وذاكرة مثقلة بالدم. اعتقاله ليس انتصارًا شعبيًا بقدر ما هو فضح لعجز النظام عن محو آثار ماضيه الأسود، فحتى سقوطه مشوب بابتسامة ساخرة تلوح على وجهه، وكأنها تذكير بأن القمع لا يُهزم بسهولة.
ولعل الروائي أراد أن يجعل الجنرال أكثر من شخصية عابرة: إنه مفتاح الأحداث كلّها. وجوده فوق المخبز يفتح المشهد الأول، واعتقاله يحرك الحي بأكمله، ثم يشتعل الحريق في أعقابه كامتداد لخطايا لم تُحاسب. وكأن النص يقول: ما لم يُطفأ في زمن الدم يعود ليحرق الحاضر بالنار. فالحريق الذي يلتهم البيوت ليس معزولًا عن الجنرال، بل هو استمرار لشبكة القمع والفساد التي تجسدت فيه. وهكذا يغدو الجنرال عنصرًا رابطًا بين الخراب السياسي والخراب الاجتماعي، بين الماضي العسكري والحاضر الشعبي.
إلى جوار البطلة، تبرز لورديس، جامعَة القمامة، وهي الوجه الأكثر فقرًا وصلابة. تحمل على كتفيها عربتها المليئة بالنفايات، لكنها أيضًا تحمل على لسانها غضب المهمشين، حقدهم أحيانًا، وتبرمهم من كل من يبدون أفضل حالًا. علاقتها بـ"إينيجا" مركبة: في البداية تشاركها بعض التعاطف الصامت، حتى إنهما تتآمران على إخفاء أسرار صغيرة، لكن مع الحريق تتفجر التوترات، فتلومها وتتهمها، وتُخرج كل ما في داخلها من شعور بالغبن الطبقي. لورديس هنا ليست مجرد جارة، بل هي صوت الطبقة المطحونة التي ترى في "إينيجا" دخيلة، وتنطق بما يضمره الحي كله: أن الفقر لا يغفر للفوارق مهما كانت بسيطة.
ويطل دييغو، الغائب الحاضر، في الذاكرة أكثر مما في الواقع. هو الشريك الذي رحل وترك فراغًا، لكنه يظل يتردد كصوت حلم أو وهم في أحاديث البطلة مع نفسها، أو في استدعائها لسنوات كانت فيها أقل وحدة. حضوره يكشف عن جرح شخصي متشابك مع الجرح الجماعي، كأن الفقد العاطفي يتضاعف حين يُضاف إلى فقد البيت والمكان.
ومن وراء هؤلاء، تحضر ملامح العائلة: الأب إيتوس الذي يمثل الحنان والغياب في الوقت ذاته، المزارع الذي فقد أرضه بفعل إصلاحات لم تحمِ أحدًا، والذي يختفي تاركًا أثرًا لا يُمحى في وعي ابنته. والأم يوسين، المعلمة المتعبة، التي تبدو بوصفها رمزًا للمرأة الكادحة في المجتمع، وهي التي تختلط في صوتها حكايات الطفولة بالسياسة، فيصير البيت مسرحًا لذكريات مرتبطة بالانتخابات والرؤساء والوعود الخائبة. أما رامونا، الأخت الكبرى، فهي الذاكرة التي تنكسر برحيلها المبكر، وتجعل "إينيجا" أسيرة شعور بأن حياتها نفسها مجرد امتداد لفقد لا ينتهي.
لكن عالم الرواية لا يكتمل دون تلك الشخصيات الثانوية التي قد تبدو عابرة، لكنها ترسم المشهد العام: المرابية لاڨچوي ببيتها الكبير الذي يرمز إلى تفاوت الثروة وسط الحي؛ صديقها الأميركي براد الذي يروي ما يحدث بإنكليزية مصقولة، كأنه صوت مراقب غريب يعلق من الخارج؛ كاليكستو صاحب المخبز الذي يُحاكم مع زوجته الملطخة بالدقيق في صورة ساخرة من عدالة المجتمع؛ ميل موظفة الفندق، وبولي العجوز صاحب متجر الكمبيوتر؛ كلهم جزء من فسيفساء تُبرز التناقض: أناس يحاولون النجاة، حتى ولو عبر التواطؤ أو الهروب أو السخرية.
حتى القط جيستوني، الذي قد يُقرأ للوهلة الأولى كحيوان أليف لا أكثر، يتجاوز دوره ليصبح تجسيدًا للحنان الغائب، والوفاء البسيط، وصوتًا داخليًا موازٍ لحوارات البطلة. إنه شاهد آخر، غير بشري، على اختفاء الأمان، وعلى بحث البطلة عن سند ولو كان في حيوان.
الأهم أن حضور الجنرال يترك أثرًا نفسيًا على الشخصيات. فإينيجا حين تراه مكبَّلًا لا تستعيد فقط صورة رجل قاسٍ، بل تستحضر عجزها الشخصي: عجزها عن الفعل، عن تغيير مصيرها، عن مواجهة انهيار عالمها. أما لورديس، فإن سقوط الجنرال لا يبدد خوفها بل يزيده؛ فهي تدرك أن النظام الذي يحمي أمثاله قادر أيضًا على التنكيل بالفقراء. الجنرال إذن ليس شخصًا، بل بنية سلطوية متجذرة، تسقط شكليًا لكنها تبقى كامنة في حياة الناس اليومية.
إن الجنرال هنا ليس مجرد خلفية للأحداث، بل هو مركز دائري تنبثق منه المآسي: القبض عليه، ثم الحريق، ثم النزوح، ثم انقسام الجيران. هو "الشبح" الذي لا يختفي بسقوطه الجسدي، بل يستمر كرمز لسلطة لم تتطهّر بعد من دمها. وهكذا يصبح اختفاؤه ـ اعتقاله ـ نوعًا من المفارقة: إذ بينما يختفي جسديًا، يزداد حضوره رمزيًا، ويتسرب في تفاصيل الخراب الذي يلتهم المكان.
بهذا التداخل، تتحول الشخصيات إلى دوائر متقاطعة: الجنرال يرمز للماضي القمعي، لورديس للفقر الطبقي، دييغو للفقد الشخصي، العائلة للذاكرة السياسية والوجودية، الشخصيات الثانوية للواقع الاجتماعي الممزق، والبطلة إينيجا نقطة التقاء كل هذه الخطوط. إنها تقف في القلب، لكنها لا تملك سلطة الحسم، بل تكتفي بمراقبة، بتسجيل، بالنجاة المؤقتة.
أسلوب الرواية يتسم بكثافة وصفية عالية، وميل إلى المشهدية السينمائية: الكاتب يلتقط تفاصيل الشوارع، أصوات الكاريوكي، وارتباك السكان في الأزمات. أيضًا هناك نَفَس شعري في المقاطع التي تسترجع الذاكرة أو في وصف الخراب، يقابله أسلوب جاف مباشر في نقل الحوار اليومي بين شخصيات الحي. هذا التناوب في اللغة يخلق توازنًا بين الواقعية الاجتماعية والقيمة الجمالية.
مقتطفات من الرواية
كان النعاس قد بدأ أخيرًا يُداعب عيون مَن أرَّقهم السهر، وأيقظتْهم الخمر في حيّ "تي" في قلب العاصمة مانيلا، عندما صدرت ضجَّة مُدوية من الغرفة الواقعة أعلى مخبز السيد "كاليكستو" بصوتٍ يفوق صخب المشاحنات الأسرية المَعهودة. تلاها صوت خطواتٍ متلاحقةٍ تهبط تباعًا على درجات السُّلُّم المُصنَّعة من الحديد المُعالَج ضد الصدأ، ليلاحقها صوت مدوٍ، بسبب سقوط بعض الأشياء على الأرضية الخشبية، وقد صاحبته صرخات أنثوية. وفجأة! ساد هدوء تلا تلك الفوضى العارمة، ثم لمْ يلبث أن خرج من الباب الجانبي أسفل المبنى ذلك الجنرال المتقاعد الذي كان أشبه بشبحٍ هزيلٍ مُشوَّشٍ، وقد ارتسم الذهول على وجهه دون أن تفارقه الابتسامة التي حملَت معها بقايا من جنون العظمة لرجل لم يجد مَن ينازعه لأمدٍ طويل، وأوحَت هيئة ذلك السفاح، الذي تقلَّد أوسمة سفكه لدماء الفلاحين والناشطين، بأنَّه قد استيقظ من نومه للتوِّ بشَعره الطويل الأشيب. كان رجلًا لم يبقَ منه سوى ظلٍّ باهتٍ، لِمَا كان عليه في الماضي عندما كان بين جنوده المُدجَّجين بكامل عُدتهم وعَتادهم.
أمَّا على الجانب الآخر من الشارع، فقد ضاق مجال الرؤية أمام عينيّ "إينيجا" شيئًا، فشيئًا، بعد أن ظهرت في الأفق سيارة إسعاف تبعها موكب من سيارات الدفع الرباعي بهيئتها المَهيبة، وفي آخره شاحنةٌ صغيرةٌ كانت تقل على متنها مراسلًا صحفيًا، ومُصورًا غلبه التثاؤب، وشعرَتْ حينئذٍ برغبةٍ مُلحَّةٍ في معرفة ما يدور، إلا أنها سرعان ما أخفت رغبتها تلك في أعماقها، نظرًا لتعوُّدها المشهد، فقد قُضي الأمر بلا شك، أجل، قُضي الأمر. سحبت نفسًا عميقًا من سيجارتها وهي تراقب ازدحام المكان بطوائفٍ مختلفة، فكان من أوائل الحضور عُمَّال مصنع البلاستيك بعد أن أنهوا في فزعٍ وجبتهم في مطعم "لوجاوان"، والتي تعوَّدوا تناولها بعد انتهاء مناوبتهم -لوَّحت لهم في إرهاق- وجاء كذلك عدد من مشاغبي الشوارع الذي اتسم أفراده بالهدوء على غير عادتهم، وهم يحملون أكوابهم البلاستيكية في أعقاب سهرتهم في مقهى "ديكوي" الواقع في نهاية الشارع. جاءت أيضًا جماعة المسرح المدرسي العائدة لتوِّها من إحدى البروفات في الساحة المُغطاة، وتلا ذلك تجمُّع من الكلاب، ثم القطط، ثم الأطفال الذين لا بُدَّ وأنَّهم قد استيقظوا على إثر أصوات سيارات الإسعاف، وقد لحقت بهم أُمهاتهم، فاجتمع هذا الزخم كله وسط سيلٍ عارمٍ من التكهُّنات بما حدث.
****
تخلَّصت "إينيجا" من جمودها، وخرجت بدافع الفضول مُتجهة نحو مصدر الفوضى، وربما أقدَمَت على ذلك بعد ترددٍ على أمل أن تلمح وجه الشخص الهارب، فتبحث في ملامحه عن أيَّة إشارة قد ترضيها تُوحي بشعوره بالندم، أو الحزن، أو الذُّعر، لتملأ بها ذلك الفراغ الدفين في أعماقها، ولكنَّها عجزت عن رؤية أي شيءٍ، ووجدَت نفسها وقد انجذبت بدلًا من ذلك إلى ردود أفعال جيرانها التي كانت تتفاوت بين اللامبالاة، والارتباك، والابتهاج، ثم انحنَت، لتمسح بيديها على فراء القِطِّ الذي كان يتمسَّح بساقيها في إلحاحِ، وهمسَت باسمه:
- "جيستوني".
كان القِطُّ قد أفاق من نومه على ذلك الصخب، وصوت الإنذار الخافت الذي انتشر في الآفاق، والذي لم يختلف كثيرًا عن إنذار ما قبل هطول المطر، فقد كانت تتسم هي وقِطها بالنوم الخفيف، على عكس "دييجو" الذي كان شريكهما الثالث في المسكن حتى أيامٍ قليلةٍ مَضَت، إلى أن وقعت سلسلةٌ من الأحداث المُتعاقبة التي انتهَت برحيله، ثم إلقاء القبض على الجنرال؛ ممَّا جعل الأمور تنقلب إلى الأسوأ، حتى خرجت تمامًا عن سيطرتها، بالشكل نفسه الذي تعوَّدته طوال حياتها.
ارتسمَت ابتسامة ساخرة على شفتي الجنرال النحيلة بعد أن كبَّلوه بالأغلال.