حديثٌ لا يُقال بيني وبين البحر
حين تضيق بنا الأرض بما رحبت، ونثقل بالصمت حدَّ الاختناق، نبحث عن صدرٍ لا يُرهقنا بالأسئلة، ولا يطالبنا بتبرير الألم.
وهنا، على حافة البحر، تبدأ الحكاية… حيث لا جمهور سوى الموج، ولا قاضٍ سوى الصمت، ولا اعتراف سوى تنهيدةٍ تذوب في الأفق.
حديث مع البحر
يا بحر، كم أحب الحديث معك، رغم أنني لا أملك ما أقول أحيانًا، وكأن الحزن حين يزورني، يعقد لساني عن التعبير، ويتركني أمامك صامتًا إلا من أنينٍ خفيٍّ لا يُسمَع.
أقف على شاطئك متأمّلًا زرقة المدى، وأشعر بأنك الوحيد الذي يفهم هذا الصمت الذي يسكنني. كم مرةٍ جئتُ إليك مثقلًا بالهمّ، فجلستُ أراقب مَوْجك وهو يجيء ويذهب، كأنه يشارك قلبي تنفّسه المتعب!
فيك شيء من السكينة وشيء من الجنون. فيك اتساعٌ لا تحدّه العيون، وفيك غموضٌ يشبه نفسي حين تعجز الكلمات عن تفسيرها. كم أخافك يا بحر، وكم أجد فيك الأمان!
تبدو لي كل موجةٍ كهمسةٍ من قلبك، تقترب لتخبرني أنني لستُ وحدي في هذا الحزن، وأنك أنت أيضًا تحمل وجع العالم في صدرك الكبير.
أحيانًا، حين تضطرب أمواجك، أشعر أنك تصرخ نيابةً عني، ترفع صوتك لتقول ما لا أستطيع قوله، وتثور بما يعجز لساني عن ثورته.
وأحيانًا، حين تهدأ، تُلقي عليَّ سلامًا خفيًّا، كأنك تحتويني دون كلام.
يا بحر، لو تعلم كم أنا مثلك… متناقضٌ بين الصخب والصمت، بين الانكسار والعظمة، بين الهدوء والعاصفة.
أجلس إليك لا لأتكلم، بل لأُصغي… أُصغي إلى لغتك التي لا تُقال، إلى أسرارك التي لا تُفصح، إلى تلك النبضة العميقة التي تُذكّرني أن الحياة مهما أثقلت القلب، فإن فينا دومًا متسعًا للبوح، حتى وإن كان بصمتٍ طويل.
يا بحر، كلما رحلتُ عنك، تركتَ في قلبي أثرًا لا يُمحى.
تعلمت منك أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأن الحزن لا يُروى بالكلمات، بل يُسكب في المساحات الواسعة التي تُشبهك.
أحب الحديث معك، حتى حين لا أقول شيئًا…
فالصمت بيني وبينك، يا بحر، حديثٌ لا ينتهي.
علّني أدركت، وأنا أُصغي إليك يا بحر، أن الحوار لا يكون دائمًا بالكلمات، وأن أصدق الأحاديث تلك التي تُقال بالعَيْن والوجدان.
لقد علمتني أن السكون ليس فراغًا، بل امتلاءٌ بمعانٍ لا تُرى، وأنّ ما لا نستطيع قوله للناس، قد يسمعه الوجود بطريقته الخاصة.
كلّ إنسان يحمل في داخله بحرًا صغيرًا، يفيض حين يشتدّ الحنين، ويهدأ حين يُسلِّم أمره للريح.
وأنا مثلك يا بحر، أُخفي تحت سطحٍ هادئٍ أعاصير من الشعور، وأترك للدهر أن يُعيد ترتيب أمواجي.
فابقَ لي يا بحر صديقًا صامتًا، أجيء إليك كلّما أثقلني الحزن، لأتحدث دون حديث، وأبكي دون دموع، وأغسل ما تبقّى من وجعي بمائك اللامحدود.
ما أوسعك يا بحر… وما أضيق هذا القلب أمام سرك العظيم.
في كل مرةٍ أرحل فيها عن الشاطئ، أشعر أنّ شيئًا مني يبقى هناك… بين الموج والرمل وشموخ النخيل من حولي ، بين البوح والصمت.
كأن البحر يحتفظ بسرّي، ويهمس النخيل للريح:
"لقد كان هنا قلبٌ تكلّم بصمته."