حروب الجيل الرابع تحت مجهر مكتبة الإسكندرية

الندوة تتناول تحوّلات الحروب الحديثة من المواجهات العسكرية إلى أدوات نفسية واقتصادية تُستهدف بها المجتمعات من الداخل عبر الإعلام والتكنولوجيا والأسواق.

شهدت مكتبة الإسكندرية، ضمن فعاليات الدورة العشرين من معرضها الدولي للكتاب، ندوة حملت عنوان "من الحروب التقليدية إلى الحروب النفسية والذكية: الوجه الخفي لحروب الجيل الرابع". الندوة، التي جاءت في إطار البرنامج الثقافي المصاحب للمعرض، استضافت ثلاثة من المتخصصين في مجالات الأمن القومي والإعلام السياسي والاقتصاد، لتسليط الضوء على تحولات الحروب في العصر الحديث، وانتقالها من ميادين القتال التقليدية إلى ساحات أكثر تعقيدًا وتنوعًا، تبدأ من وسائل الإعلام ولا تنتهي عند منصات التواصل الاجتماعي أو أدوات الضغط الاقتصادي.

شارك في الندوة اللواء أركان حرب الدكتور أسامة راغب، نائب مدير أكاديمية ناصر العسكرية العليا الأسبق وأستاذ الإعلام السياسي والاستراتيجية، والدكتور محمد أمين، الكاتب الصحفي ورئيس تحرير مجلة أكتوبر وبوابة دار المعارف الإخبارية، والدكتورة نجلاء حرب، أستاذة الاقتصاد بجامعة الإسكندرية، فيما أدارت اللقاء الكاتبة الصحفية سلوى محمود، مدير تحرير مجلة أكتوبر.

استهل اللواء أسامة راغب حديثه بتأكيده أن ما يُعرف بـ"حروب الجيل الرابع" لم تعد موضوعًا نظريًا أو إطارًا تحليليًا بعيدًا عن الواقع، بل أصبحت واقعًا متجذرًا، يتم استخدامه بطرق ممنهجة لتفكيك المجتمعات من الداخل، دون الحاجة إلى المواجهة العسكرية المباشرة. وأوضح أن الحروب التقليدية، رغم ما تحمله من دمار، كانت أكثر وضوحًا، بينما الحروب الجديدة تتسلل بهدوء، وتعتمد على تفتيت المجتمعات عبر أدوات نفسية وإعلامية واقتصادية.

وأشار راغب إلى أن "الحرب النفسية" تُمثل المرحلة التمهيدية الأهم لأي صراع في الوقت الراهن، فهي تسعى إلى كسر تماسك الجبهة الداخلية والتأثير على الروح المعنوية للأفراد، عبر نشر الشائعات والتشكيك في الثوابت، وتصدير الشعور بالإحباط والشك. وأكد أن مثل هذه الحروب تستهدف العقل والوجدان، وتُمارس بأساليب دعائية مدروسة تستند إلى دراسات نفسية واجتماعية دقيقة.

وأكد أن مواجهة تلك الأنماط الجديدة من الحروب تتطلب وعيًا مجتمعيًا متجددًا، وتحصينًا وطنيًا دائمًا، موضحًا أن الحرب النفسية لا تُقابل بالسلاح، بل تُقابل بالإدراك والمعرفة والوعي، لأن خصمها الأساسي ليس الجنود وإنما المواطنين أنفسهم. كما أشار إلى أن العمليات النفسية تتسم بالشمول والامتداد، وهي أكثر خطرًا من الحروب العسكرية التقليدية لأنها تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية.

ومن جانبه، أكد الدكتور محمد أمين أن الحروب النفسية لم تعد تُمارس عبر المنشورات الورقية أو المذياع كما في الماضي، بل أصبحت تُدار بمنتهى الدقة عبر آليات التكنولوجيا الحديثة، بدءًا من وسائل التواصل الاجتماعي وحتى منصات إنتاج المحتوى الرقمي. وقال إن بعض الشائعات التي يتم بثها تبدو في ظاهرها بسيطة أو عابرة، لكنها مُعدة بدقة لتؤثر في المزاج العام، وتُحدث أثرًا تراكميًا مع الوقت.

وأوضح أمين أن الحرب النفسية أصبحت تمضي بخطوات مدروسة نحو زعزعة الثقة في مؤسسات الدولة، عبر استهداف رموزها أو التشكيك في قراراتها، وهو ما يستدعي قدرًا عاليًا من المسؤولية من المواطنين، لا سيما عند التعامل مع الأخبار المتداولة على الإنترنت. ودعا أمين إلى ضرورة التريث قبل تداول أي محتوى، مؤكدًا أن الوعي الجمعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الحروب.

وركز على أن المواطن هو "المُستهدف" و"الوسيط" في آن، إذ تُبنى الكثير من الحملات النفسية على تفاعل الناس أنفسهم معها، فتصبح الأكاذيب أكثر انتشارًا وتأثيرًا. كما شدد على ضرورة رفع درجة الوعي الإعلامي، والتفرقة بين المعلومة والرأي، وبين التوجيه والتضليل.

أما الدكتورة نجلاء حرب فقد ربطت بين الحروب النفسية والتأثير الاقتصادي، موضحة أن حروب الجيل الرابع لا تقتصر على نشر الإشاعات أو إرباك الوعي، بل تمتد إلى أدوات اقتصادية بالغة التأثير، تُستخدم لهز الاستقرار المجتمعي وكسر الإرادة السياسية.

قالت حرب إن الاقتصاد لم يعد فقط عنصرًا من عناصر الصراع، بل أصبح ميدانًا للحرب بحد ذاته، يُستخدم فيه الحصار، والعقوبات الاقتصادية، والمقاطعة، والتخريب الممنهج، والحرب المالية، وعمليات إغراق الدول بالديون، وافتعال الأزمات، والتلاعب بالأسواق، والتأثير على علاقات الدول بجيرانها، والترويج لمفاهيم تؤدي إلى تفكيك المنظومات الإنتاجية. وأضافت أن هناك نمطًا مستحدثًا من "الحروب الاقتصادية" يعتمد على السيطرة الناعمة، واستغلال الروابط التجارية والاستثمارية لتحقيق أهداف غير مُعلنة.

وأشارت إلى أن كلفة الحروب العسكرية المباشرة تُعد باهظة، سواء على مستوى الأرواح أو البنية التحتية أو الموارد، في حين أن الحروب الاقتصادية تُحقق نتائج أكثر فاعلية على المدى الطويل، مع قدرة على الإنكار السياسي، ومرونة في إدارة أدوات الضغط.

وأوضحت أن حروب الجيل الرابع تهدف إلى استنزاف طاقات الدولة دون اللجوء إلى المواجهة الصريحة، وتؤثر بشكل مباشر على الأمن القومي، خاصة حين تقترن بالتضليل الإعلامي. وقالت إن السياسات الاقتصادية الذكية باتت ضرورة للدول الراغبة في الحفاظ على سيادتها واستقرارها، مؤكدة أن الوعي الاقتصادي لا يقل أهمية عن الوعي الأمني أو الإعلامي.

يُذكر أن فعاليات معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب تستمر حتى 21 يوليو/حزيران الجاري، بمشاركة 79 دار نشر مصرية وعربية، وتقديم 215 فعالية ثقافية متنوعة، منها ندوات وورش عمل وأمسيات شعرية، بمشاركة قرابة 800 مفكر وباحث ومثقف.

جدير بالذكر أن اللواء أركان حرب دكتور أسامة راغب حاصل على بكالوريوس علوم الدفاع الجوي بتقدير ممتاز، وماجستير العلوم العسكرية بتقدير امتياز، وهو زميل كلية الحرب العليا، وشغل منصب نائب مدير أكاديمية ناصر العسكرية العليا للشؤون التعليمية، كما حصل على درجة الدكتوراه في فلسفة الدراسات السياسية والاقتصاد في موضوع "الإعلام الجديد والأمن المصري: الإرهاب الإلكتروني نموذجًا" بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف من كلية السياسة والاقتصاد بجامعة قناة السويس.

أما الدكتور محمد أمين، فهو رئيس تحرير مجلة أكتوبر وبوابة دار المعارف، وعضو نقابة الصحفيين المصريين واتحاد الصحفيين العرب، ومحاضر بكلية الإعلام وعلوم الاتصال بجامعة سيناء. حصل على زمالة كلية الدفاع الوطني في دراسة عن تأثير الإعلام على الأمن القومي، وقدم دراسة تحليلية حول آليات استقطاب الجماعات الإرهابية مثل تنظيم داعش، وله خبرة طويلة كمحرر عسكري، وأجرى مقابلات مع العديد من الشخصيات السياسية والعسكرية البارزة محليًا وعربيًا ودوليًا.

فيما تشغل الدكتورة نجلاء حرب موقع أستاذ الاقتصاد بكلية السياحة والفنادق بجامعة الإسكندرية، وهي مديرة سابقة لمركز العلاقات الاقتصادية الدولية بمعهد التخطيط القومي، ووكيلة سابقة لكلية الاقتصاد والإدارة بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، وأستاذ زائر للاقتصاد والأمن القومي بكليات تابعة لوزارة الدفاع، كما حصلت على شهادات في القيادة العليا وقيادة الأزمات من جامعة هارفارد، وتم تكريمها من جهات علمية مختلفة، منها منظمة المرأة العربية وهيئة الرقابة الإدارية.

في ضوء ما طُرح خلال الندوة، فإن الانتقال من ساحات القتال التقليدية إلى ميادين التأثير النفسي والاقتصادي يؤكد أن الحرب الحديثة لم تعد تُخاض بالسلاح فقط، بل بالعقل والوعي والتكتيك الناعم. فالمعارك اليوم تُخاض بلا جيوش، وتُحسم أحيانًا قبل أن يشعر بها أحد، وهذا ما يجعل مهمة التوعية والمواجهة المجتمعية مسؤولية لا تقل عن أي استعداد عسكري تقليدي.