حوار بين الحياة والموت تقنيات عرض متقدمة في 'نجيب محفوظ بداية ونهاية'
القاهرة - نظمت دار المفكر العربي بالقاهرة ندوة لمناقشة مسرحية "نجيب محفوظ بداية ونهاية" للشاعر والروائي أحمد فضل شبلول والحاصلة على منحة التفرغ من المجلس الأعلى للثقافة. وأشاد عدد من النقاد بالمسرحية مؤكدين أنها ترصد جوانب مهمة في مسيرة حياة أديب نوبل خصوصًا أنها الكتاب الخامس الذي أصدره الكاتب، عن محفوظ حيث صدر له من قبل رواية "الليلة الأخيرة في حياة نجيب محفوظ" التي ترجمت إلى اللغة الإنكليزية، وكتاب "نجيب محفوظ بلا معطف"، وكتاب "عصر نجيب محفوظ"، وشارك في كتاب موسوعي بعنوان "نجيب محفوظ شرقًا وغربًا".
ورأى النقاد: ناصر العزبي وجابر بسيوني ود. إيمان سند خلال مناقشة المسرحية، إن العمل تناول الكثير من المحطات المفصلية في تاريخ الكاتب الكبير نجيب محفوظ وعلاقاته المتعددة في الوسط الأدبي وخارجه منذ ولادته عام 1911 وحتى وفاته عام 2006 صاغها الكاتب بأسلوب متميز.
وأشار النقاد إلى أن توظيف الكاتب تقنيات عرض مسرحية متقدمة، مثل وضع شاشة كبيرة في منتصف المسرح تظهر عليها بعض مشاهد أفلام وأغلفة روايات نجيب محفوظ أضافت بعدًا مشوقًا في السرد وجعلت القارئ مشدودا لكافة التفاصيل.
يذكر أن المسرحية تدور في إطار حوار إنساني بين نجيب محفوظ والكاتب في ليلة أديب نوبل الأخيرة التي قضاها بالغرفة رقم 612 بمستشفى الشرطة في حي العجوزة بالقاهرة.
يذكر أنه بعد أن صدرت رواية "الليلة الأخيرة في حياة نجيب محفوظ" قرَّر مؤلفها مسرحة الرواية، لتكون بين أيدي المهتمين بالحركة المسرحية التجريبية في مصر والوطن العربي. واختار لها عنوان "نجيب محفوظ بداية ونهاية" لأنها تعرض في صورة مختصرة لجوانب حياتية وأدبية لصاحب "أولاد حارتنا" منذ ولادته عام 1911 وحتى وفاته عام 2006، كما أنها تتعرض للكثير من أعماله من خلال تقنيات عرض مسرحية متقدمة، مثل الاستعانة بشاشة كبيرة في منتصف الخشبة تظهر عليها بعض مشاهد أفلام نجيب محفوظ، وصور أغلفه رواياته، وصور الشخصيات أو الأماكن التي يرد ذكرها أثناء الحوار بين نجيب محفوظ في ليلته الأخيرة بالغرفة رقم 612 بمستشفى الشرطة بالعجوزة بالقاهرة، وبين الكاتب.
وقعت المسرحية في ثلاثة فصول و19 مشهدًاـ
وتنتهي بقول محفوظ (للكاتب): انتهتْ مهمتك يا أحمد، مثلما انتهتْ مهمتي في الحياة.. تستطيع العودة الآن إلى الإسكندرية. وتذكر دائما قولي عنها: الإسكندرية قطر الندى، نفثة السحابة البيضاء، مهبط الشعاع المغسول بماء السماء، وقلب الذكريات المبللة بالشهد والدموع.
تستطيع أن تدير الوقف وأنت في الإسكندرية، ولتزُر القاهرة وقتما تشاء.
لا تسلني عمَّا وجدت في العالم الآخر، ولن أسألك عمَّا حدث بعد رحيلي. إنها رغبة ميت.
إنها رغبة ميت.
إنها رغبة ميت.
من أجواء المسرحية:
(الفصل الثالث)
المشهد الثالث
يُضاء المسرح وتُسمع موسيقى رومانسية خافتة أو موسيقى أغنية الرضا والنور لأم كلثوم، ويتتابع دخول أشباحٌ مرئية تمثل أبطال روايات محفوظ (وفي الوقت نفسه تظهر صورهم على الشاشة من واقع الأفلام التي ظهروا فيها) السيد أحمد عبدالجواد (يحيى شاهين)، عيسى الدباغ (محمود مرسي)، حميدة (شادية)، الست أمينة (آمال زايد)، إحسان شحاتة (سعاد حسني) محجوب عبدالدايم (حمدي أحمد)، عثمان بيومي (أشرف عبدالباقي) ريري (نادية لطفي) نفيسة (سناء جميل) أحمد عاكف (عماد حمدي) رشدي (حسن يوسف) سرحان البحيري (يوسف شعبان) سعيد مهران (شكري سرحان) رؤوف علوان (كمال الشناوي) كمال عبدالجواد (نور الشريف) بسيمة عمران (تحيا كاريوكا) صابر الرحيمي (رشدي أباظة) ..
محفوظ (مُرحِبا): أهلا أهلا بالأصدقاء والصديقات من الفنانين والفنانات.
[يتتابع دخول أشباح مرئية أخرى (تظهر صورهم على الشاشة): صلاح جاهين، توفيق الحكيم، يحيى حقي، محمود سعيد]
الكاتب (مستغربا): ما هذا كله؟
محفوظ: هم أصدقائي وأبطال رواياتي يقفون بين عالم يموت وآخر يؤذن بالميلاد.
(إظلام)
المشهد الرابع
(يدخل إلى الحجرة شخص عملاق في تؤدة، وفي هالة من النور، يتحرك كالطود.
الكاتب ينظر إليه في انبهار)
محفوظ (حدقتاه تتسعان تحت سماكة نظارته ويهتف بصوت عال): الجبلاوي!
الجبلاوي (بنبرة عالية ولكن دافئة): كيف حالك يا نجيب؟
محفوظ: انتظرك من أيام، أو قل من سنين!
الجبلاوي (بصوت غليظ فيه مودة ودفء): الموت لا يستطيع أن يفرِّق بين الأحبَّة يا نجيب، ولكنه يستطيع أن يرسم دروب الحياة، وليس صحيحًا أن تاريخ العالم أو البشر هو تاريخ الشرّ والقتل.
(همهمة تسري من الأشباح المرئية بالحجرة وتتتابع صورهم على الشاشة الكبيرة
ولكن عندما يبدأ الجبلاوي يتحدث يصمت الجميع)
(كل الأشباح المرئية تحدق في وجه الجبلاوي وكأنه وجه الزمن)
(محفوظ يحدِّق في وجه الجبلاوي غير مصدِّق أنه يزوره في حجرته بمستشفى الشرطة بالعجوزة)
الجبلاوي (بصوته الضخم): عرفة يرسل لك السلام، وينتظرك يا نجيب.
(ينتفض محفوظ ويعلو جسدُه قليلا)
الجبلاوي (بعد سكوت قصير): موتُك لن يكون متعسرًا، مثل ولادتك يا نجيب. يؤسفني أن أقول إن أهل حارتنا لا يكفون يستنزلون اللعنات عليّ، ولا يكفون في الوقت ذاته عن الاستغاثة بي لنجدتهم. إنهم يقتلونني في أنفسهم، ثم يسعون لإحيائي، والندم يعتريهم لأنهم قتلوني، وهناك من يحاول أن يكونني، فهل سوف تتراجع يا نجيب؟
محفوظ: طبعي يأبى التراجع .. ما ترددتُ في شيء أنا فاعلُه، أو الموت فاعلُه.
الجبلاوي: جاءني هاتف يقول: لا بد للظلم من آخر، ولليل من نهار، ولنرينَّ في حارتنا مصارع الطغيان، ومشرق النور والعجائب



