حين تُهزم الدولة يكون كل شيء مباحا

حسن نصرالله مثال للفوضى التي تضرب المنطقة وتهدد فكرة الدولة. إيران غير بعيدة عن حالة شبيهة.
في 'اللادولة' يتداخل الرسمي بغير الرسمي والمثال اللبناني ابرز مثال
حسن نصرالله يمثل سلطة اللادولة في أعلى مراحلها
فوضى اللادولة تسمح بكل شيء ما دام الشعب قد تم استضعافه بقوة السلاح

حين تهيمن الأحزاب والميليشيات على الدولة فإن الدولة تتراجع ليحل محلها كيان هلامي يُطلق عليه مجازا "اللادولة". وهو مفهوم يشير إلى الفوضى التي تؤطر كل شيء بمظاهرها التي لا تُحصى ولا يمكن حصرها في مكان بعينه فهي تتمدد وتتوسع دائرة تأثيرها المدمر حتى تنتهي الأوضاع إلى انهيار حتمي لا يمكن دفع عواقبه.
واحدة من أهم مظاهر اللادولة تعدد الرؤوس وعدم القدرة على التعرف على صفات الأشخاص والتعريف بهم داخل إطار الدولة التي محيت آثارها. هناك تمييع للصفات القانونية، بحيث يبدو وزير الدفاع على سبيل المثال واحدا من مئات ممن يتحدثون في الامور العسكرية ويقرون اعلان التعبئة العامة ويهددون بالحرب دولا قد لا يستوجب الخلاف معها تسخين الحديد.

في "اللادولة" يتداخل الرسمي بغير الرسمي وقد ينصت وزير الصحة مثلا لنصائح أشخاص يعرف أنهم لا خبرة طبية لديهم وهم يجهلون جهلا تاما آليات العمل في القطاع الصحي. وحين ينصاع الوزير المذكور لأوامر اولئك الجهة فإنه يختار جانب السلامة فهو جزء من الدولة التي هُزمت وصارت ملحقة بذلك الكيان المترهل والمشدود الاعصاب توترا الذي عنوانه "اللادولة".

ليس في الإمكان توجيه سؤال إلى حسن نصرالله عن الصفة التي تؤهله لقول كل ما يقوله في ما يتعلق بعلاقات لبنان الخارجية ومصيره ومستقبل شعبه. فلا كونه زعيم ميليشيا مسلحة ولا كونه رئيس حزب دخل نوابه الى مجلس النواب في لحظة غفلة طائفية يؤهلانه للكلام كما لو أنه الأب الروحي والمحرك المادي للجمهورية اللبنانية التي فقدت أمها وأباها.

ولا يحتاج المرء إلى كثير خبرة ليعرف أن نصرالله يهرف بما لا يعرف. وأنه حين يكون قائدا عسكريا وزعيما سياسيا وخبيرا اقتصاديا ومفكرا كبيرا وعارفا في شؤون الطب والمجتمع والتعليم فإنه يكتسب تلك الصفات كلها من فوهة البندقية الموجهة إلى لبنان الذي تمت هزيمته وتخلت الدولة عنه وصار عبارة عن مجموعة من الأندية تُدار من حارة حريك.

حسن نصرالله يمثل سلطة اللادولة في أعلى مراحلها.

علينا أن ننظر إلى أسياده في إيران. تلك دولة منضبطة يقف في أعلى هرمها الولي الفقيه في لعبة دينية يُراد منها بسط السيطرة غير المكلفة على البساط والفقراء من الإيرانيين الذي يصدقون أن ذلك الولي هو ممثل الامام المهدي وهو الامام الغائب الذي قد لا يظهر فتستمر اللعبة.

إيران دولة منضبطة يسيطر عليها الحرس بقبضة من حديد غير أن وزير خارجيتها يفاجأ أحيانا بأشخاص من داخل النظام لا علاقة لهم بالعمل الدبلوماسي يتحدثون بتطرف عن علاقات إيران بالعالم الخارجي. غير مرة هدد وزير الخارجية الإيراني الحالي بالاستقالة لأن صفته لم تعد تُحترم وأن عمله تم اختراقه. ولولا قربه من خامنئي لتم طرده من منصبه.

إيران التي تبدو من الخارج كما لو أنها دولة فإن هناك الكثير من المظاهر التي تُعتبر بمثابة تمهيد لقيام اللادولة. في أحشاء تلك الدولة وليد اسمه "اللادولة" وهو عنوان الدرس الذي تعلمه أتباع النظام الإيراني.

في ظل العبث الذي فرضته الفوضى وضرب كل شيء بريحه صار من الصعب اليوم التفكير في وجود دول مثل اليمن ولبنان والعراق. الامر لا يتعلق بالهياكل التي صارت خاوية فتلك الهياكل سرعان ما تنهار مع أصغر تصريح. ليست هذه دولة. كثر المتحدثون باسمها غير أنه لا أحد منهم يملك الصفة الرسمية التي تؤهله للحديث باسمها. هي كذبة غير أنها الكذبة التي تتحكم بالحقيقة وليس هناك مَن يقاومها مادام كل شيء في البلد مستباحا.

يضحكون على الناس أم يضحكون على أنفسهم؟

يمكن أن يختفوا في أية لحظة ليحل محلهم أفاقون من نوعهم.

في كل المقاييس المعمول بها دوليا لا يجوز لأشخاص أن يطلقوا التصريحات إلا ضمن ما تسمح به وظيفتهم وفي الحدود الذي يسمح بها القانون. غير أن انهيار الدولة يجعل من قيام العكس أمرا مقبولا ومسموحا به.

ذلك ما صرنا على تماس به ونحن نرى زعماء الأحزاب والميليشيات وهم يتصدرون المشهد كما لو أنهم قادة رسميون. لقد تعددت الرؤوس ولم يعد هناك مَن يأخذ اراءهم على محمل الجد.         

فحين يقول حسن نصرالله شيئا فإنه يعرف أن لا أحد سيحاسبه على ما قاله. لقد قال الرجل أشياء كثيرة وتبين فيما بعد أنها لم تكن حقيقية. 

فوضى اللادولة تسمح بكل شيء ما دام الشعب قد تم استضعافه بقوة السلاح.