خرافة السيادة: الجريمة التي ستغير وجه العالم

الصمت الدولي على ما يحدث ليس سوى توقيع على مذكرة لإعدام الجميع، تحت مبررات مختلفة لكنها متكررة، فمن يظن أن فنزويلا هي النهاية، فهو كمن ظن أن غزة هي البداية والنهاية.

ما حدث في فنزويلا ليس مجرد انتهاك عابر لدولة ذات سيادة، وإنما جريمة تمت تحت ضوء النهار، وأمام المجتمع الدولي، ووُثِّقت بالصوت والصورة. وهي ليست تدخلاً عسكرياً تقليدياً، بل تفتيتٌ لجسد السيادة، ونحن الآن ننتقل من زمن كانت فيه السيادة تُنتهك بخجل، إلى زمن صار فيه الانتهاك نفسه هو القانون، والجاني هو الجهة ذاتها التي تدّعي رعاية القانون.

والمجتمع الدولي الذي يصمت أمام جرائم الغزاة الجدد نسي أنه يصادق على دفن فكرة العدالة الدولية، وأن المؤسسات التي بُنيت بعد حربين عالميتين لتكون حصناً ضد البربرية تتحول اليوم إلى شاهد زور لإخفاء تفاصيل جريمة لن تنتهي عند حدود فنزويلا.

لم يكن الانهيار الاقتصادي الفنزويلي مقدمة، بل كان سلاحاً، وأرقام الأمم المتحدة الصادمة (82 في المئة فقر، تضخم يتجاوز 250 في المئة) لم تكن نتيجة أزمة داخلية بحتة، بل كانت تفجيراً مدروساً من الداخل عبر عقوبات وحصار جعلا الدولة جثة هامدة تنتظر الوحوش.

وهو ذاته المخطط الذي تكرر في أفغانستان والعراق وغيرها، حين يُخلق الجوع والفساد والظلم، ثم يُقدَّم الفاعلون أنفسهم كمخلِّصين، وفي النهاية يُسرق النفط والثروات والإرادة تحت شعار الإعمار. هذه ليست سياسة خارجية، بل بروتوكول قرصنة تمت صياغته في مقرات الهيمنة.

الصمت الدولي على ما يحدث ليس سوى توقيع على مذكرة لإعدام الجميع، تحت مبررات مختلفة لكنها متكررة، فمن يظن أن فنزويلا هي النهاية، فهو كمن ظن أن غزة هي البداية والنهاية. فالقادم أسوأ، ومنطق الهيمنة لا يعرف الشبع؛ فكوبا قد تكون التالية عندما تضعف حصونها، ولبنان قد يتحول إلى ساحة حرب بالوكالة، وإيران تبقى في مرمى الأطماع القريبة، وماذا بعد؟

فهل نحن أمام نموذج قابل للاستنساخ بشكل آلي؟ الإجابة تكمن في توفر أربعة شروط لنجاح نموذج "السيادة المنتهكة": الشرط الأول هو وجود ثروة استراتيجية تُغري بالإقدام على المخاطرة. فالنفط الفنزويلي، بوصفه أكبر احتياطي عالمي، لم يكن مجرد سبب، بل كان الغنيمة التي تبرر كل التكاليف.

أما الشرط الثاني فهو غياب الحماية الإقليمية أو الدولية ويظهر أن الفراغ الاستراتيجي في أميركا اللاتينية، وتراجع دور دول مثل البرازيل والمكسيك كقوى موازنة، والحياد السلبي الروسي والصيني، كان عاملاً حاسماً في تسهيل الجريمة.

ويأتي الشرط الثالث متمثلاً في وجود ذريعة قابلة للتسويق إعلامياً وأخلاقياً. فالضغوط الاقتصادية وتوسع شبكات الفقر والحرمان شكّلت رصيداً دعائياً هائلاً جعل من "الإنقاذ" شعاراً مقبولاً لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي.

أما الشرط الرابع فهو غياب قدرة الردع غير التقليدي لدى الدولة المستهدفة، أي عدم امتلاكها أدوات تجعل من احتلالها عملية مكلفة بدرجة غير محتملة، مثل السلاح غير التقليدي أو شبكة التحالفات الإقليمية أو قدرات الردع غير المتماثلة.

وفقاً لذلك، فإن كل الدول التي تجتمع فيها هذه الشروط الأربعة قد تجد نفسها بين ليلة وضحاها في مرمى النموذج الفنزويلي. والخطر الحقيقي يكمن في "تطبيع مبدأ الانتهاك" وتبريره دولياً. ونجاح العملية في فنزويلا إنما يرسل رسالة واضحة بأن سيادة الدول أصبحت سلعة قابلة للتصرف.

هذا التطبيع هو ما سيشكّل مستقبل النظام العالمي، حيث تتحول السيادة من حق أصيل إلى امتياز مؤقت تمنحه القوة العظمى وتسحبه متى ما تعارض مع مصالحها. وما يجب الاعتراف به أن النظام الدولي مات، لكن لم يجرؤ أحد على إعلان الوفاة رسمياً؛ فنحن نعيش اللحظة التي يصبح فيها القانون مجرد ذكريات، والسيادة مجرد أوهام، والعدالة الدولية مجرد "مزحة سخيفة" يرويها القوي وهو يخطط لجريمته القادمة.