رسائل ترامب لمصر حول سد النهضة الإثيوبي
للمرة الثانية في غضون أيام قليلة، يقوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوجيه لوم إلى سلفه جو بايدن بسبب دعم الأخير تشييد سد النهضة الإثيوبي بالمال، والذي يمثل ضررا مائيا بالغا لمصر، ما دفع ترامب إلى أن يظهر عدم رضاه عنه.
المثير في كلام الرئيس الأميركي الحالي ليس تكراره أكثر من مرة والإيحاء بأن واشنطن تؤيد القاهرة في أزمة السد، بل عدم وجود معلومات تثبت صحة ما ذهب إليه ترامب من أن بايدن وفر تمويلا سخيا للسد.
وحظيت القضية بتعليق من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، واهتمام من سياسيين ومعنيين بشأن سد النهضة، ومسار علاقات بين مصر والولايات المتحدة تمر بفتور.
قال الرئيس السيسي، الثلاثاء، إن بلاده تقدر حرص الرئيس ترامب على التوصل إلى اتفاق عادل يحفظ مصالح الجميع حول السد الاثيوبي، مشيدا بتأكيده على ما يمثله نهر النيل لمصر كمصدر للحياة.
وبحث مراقبون وسياسيون ومعنيون خلف تصريحات ترامب المفاجئة، ووجد كل منهم تفسيرا مناسبا، وغاب عن التفسيرات المختلفة أن الرجل حريص على حماية مصالح مصر، ومستعد لدعم موقفها في ضرورة توقيع اتفاق مُلزم، ورفض تصورات إثيوبيا وانفرادها بإنشاء السد وتشغيله وافتتاحه رسميا في سبتمبر المقبل.
لم يصدر عن القاهرة تعليق في المرة الأولى منذ نحو شهر، لكن في المرة الثانية، يوم الاثنين، رد عليه السيسي برسالة ترحيب بعد يوم واحد، ضمنها إشارة خاطفة لعناوين رئيسية للموقف الثابت لمصر من الأزمة وأدوات تسويتها فنيا وسياسيا.
ويعيد حديث ترامب أخيرا إلى تصريح سابق له خلال فترة رئاسته الأولى، ألمح فيه إلى حق مصر في استخدام الخشونة لمنع بناء السد. ووقتها نصح البعض بضرب السد قبل أن يصبح واقعا وتتراكم خلفه المياه.
ينطوي عدم التفات القاهرة إلى تشجيع ترامب واستهداف السد خلال فترة رئاسته الأولى، وعدم الاكتراث كثيرا بتعاطفه معها في فترة رئاسته الثانية، على وجود شكوك في نواياه السياسية، وأن مصر لديها بدائل دبلوماسية للتعامل مع الأزمة.
دعك من تناقضات ترامب المتعارف عليها، وتفاؤله المفرط والترويج لقدرته الفائقة في حل الأزمات الإقليمية والدولية، وانظر إلى الجانب الخفي في الموضوع، والذي لا يتعلق بنصب فخ لمصر أو جرها إلى معركة خارج حدودها، فهذا أمر أعلنت القاهرة عن رفضه مرارا، ما لم يكن هناك اعتداء مباشر وتهديد للأمن القومي المصري، فتداعيات الضرر الناجمة عن السد يمكن تحملها.
الجانب الخفي في الموضوع، أن من قامت بتمويل جزء كبير من سد النهضة هي الصين وأسهمت بنحو 3 مليارات دولار في شكل قروض تستخدم في مشروعات تتعلق بنقل الكهرباء المولدة منه، ما يعني أن ترامب يريد إحداث شرخ في العلاقة التي بدأت تتطور بين مصر والصين مؤخرا، وبدا أن كل نقطة تخسرها القاهرة مع واشنطن سوف تتجه نحو تعويضها من بكين، وأخذت مجالات التعاون تتنوع وتتمدد، وأخطرها ما يمكن أن يحدث في المجال العسكري.
يعتقد ترامب أن هذه المسألة خافية على مصر، وأن دور الصين في دعم سد النهضة الإثيوبية بعيد عن حساباتها، حيث تعلم القاهرة أنه ليس موجها لإلحاق أضرار بها، بل موجه لإقرار أمر واقع يتعلق برؤية بكين لآليات إدارة منابع الأنهار، حيث تريد الاستناد إلى ما تقوم به إثيوبيا للحصول على مشروعية قانونية في عملية تحكم الدول التي تنبع من داخلها أنهار في إقامة السدود دون مشورة مع دول أخرى تتشارك معها، وهو ما تسعى الصين إلى تطبيقه مع جيرانها.
ربما تكون بكين أسهمت بشكل غير مباشر في بطء تشييد سد النهضة، واستغراق عملية الملء مدة أكثر مما طالبت به مصر لمنع وقوع ضرر فوري عليها، حيث طرحت القاهرة في المفاوضات رؤية تقوم على التمهل، وعدم قيام إثيوبيا بالملء خلال مدة لا تقل عن سبع سنوات، ما تم تجاوزه دون اتفاق مع دولتي المصب مصر والسودان، وبدا أن أديس أبابا، ومعها بكين، نفذتا خطة الملء الانفرادي، ولم توقعا ضررا بالقاهرة، وهي معادلة تفسر جزءا مهما في ما حدث لسد النهضة.
وتكشف تلك المعادلة أحد أسباب اطمئنان مصر وبرودة أعصابها السياسية في التعامل مع استفزازات الحكومة الإثيوبية، وعدم رهانها على أيّ دور أميركي داعم لحل الأزمة وديا، وتفويت الفرصة على التعاطي مع تلميحات ترامب التي تمهد الطريق لخشونة مع أديس أبابا، والالتفات إلى الصين كلاعب في أزمة السد، ولا يتحدث عنها الكثيرون.
حملت تصريحات الرئيس ترامب حول السد الإثيوبي رسائل عديدة، لم تأخذ منها القاهرة ملمحا إيجابيا، وعلى العكس، كانت المضامين السلبية لها أولوية، وهي النتيجة التي تفسر تجاهل ما ردده الرئيس الأميركي نسبيا، وقد واتته فرصة للانخراط في الأزمة قبل أن تنتهي ولايته الأولى، حيث رعى جولات عدة من المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان، وجاءت الحصيلة صفرا، مع أن السد كان في بدايات عملية تشييده.
يشير تركيز الرئيس ترامب على سد النهضة إلى أنه يحظى باهتمام خاص في أجندته، ويعتبره مدخلا لتصحيح أو تخريب العلاقات مع مصر، ولأن مستوى الثقة بين واشنطن والقاهرة متدن حاليا، يصعب التعويل عليه كمفتاح لتنقية الأجواء بينهما، والسماح بأن تتحول الأزمة إلى أداة قوية للضغط على مصر، وهذا لا يعني تجاوز ملف السد في منظومة العلاقات بين مصر والولايات المتحدة أو التهوين من توظيفه في ضبط إيقاعها بالشكل الذي يحلم به ترامب، والذي لا يستبعد تحقيق السلام في مفكرته السياسية من خلال استخدام القوة، المادية والمعنوية.
لا تزال هناك فصول لم يتم الكشف عنها في ملف سد النهضة، لأن اهتمام الرئيس ترامب به لم يأت من فراغ، أو صدفة في أحد مؤتمراته الصحفية، فالمرتان اللتان أقحم فيهما لم توجد مناسبة منطقية، ويؤكد التعسف في الولوج إليه أنه يحمل شيئا ما في جعبته، ويريد فتح الباب تدريجيا لإثارة أزمة عميقة عندما تتهيأ الظروف، وأنه يرهن حل ما يتمخض عن السد من أضرار بفرملة علاقات القاهرة مع بكين، وعدم دخولها منحى يمثل إزعاجا لواشنطن مع حليف كمصر يحظى بأهمية إستراتيجية.
الرأي عندي أن كل طرف يلجأ إلى الاستفادة ممّا يملكه من أوراق حيوية كي يضمن أن يأتي إليه الطرف الآخر ليّنا، ويعي أبعاد ما يحمله من أهداف، فلا أحد يريد صداما أو يسعى إليه، لكن الهوة في التقديرات تلعب دورا في التباعد، ويحتاج ردمها إلى إعادة الثقة المتبادلة، وضبط الولايات المتحدة لما تتبناه من ترتيبات في المنطقة ولا يتم تنفيذها على حساب مصالح مصر، وسيكون الموقف النهائي من مستقبل قطاع غزة من المحكات المحورية لاختبار العلاقة والتعرف على ملامح كبيرة منها.