سالي توران يحيي إمبراطورية الضوء والعبور إلى الفعل
سالي توران من أهم الأسماء التي تلعب بسحر عال في الميدان التشكيلي التركي المعاصر ويسهم في هذه الحركة بفاعلية الاستنباط منها وفيها مع البذل الكبير في إعادة تقويم شبه شاملة لبانوراماها والتمهيد لها للانتقال من حالتها الهجينة إلى حالة الظاهرة المرتبطة بالزمكان والتي ستشغل حيزا كبيرا في القرن الذي ننتمي إليه.
سالي توران قدمه لي الأخ العزيز والصديق الأنقى من زمزم عدنان الأحمد صاحب دار وغاليري "الكلمات / استانبول" والذي يعد بحق منصة الجمال والفن ما بين الشرق والغرب، وما يقوم به هذا الرجل أقصد عدنان أحمد تعجز المؤسسات عن القيام به، وسبق لهذه الدار أن أقامت معرضا لسالي توران في العام الماضي.
وتوران عصامي الطبع والتوجه، ولهذا فهو يحافظ إلى حد كبير على عفويته وبساطته وإنسانيته التي لم تلوثها لا غبار الأرصفة في المدن الشاهقة ولا تقيؤات وسائل التواصل، ولهذا أعماله مرايا عنه، عن دواخله وأحاسيسه، عن عالمه اللامرئي حيث يلد فعل الضوء في إبلاغه الدينامي فيتمحور بحثه على بناء ترتيب أساسي مرصع بتبدلات إبلاغية تتمفصل فيها سرعات إيقاعية بتعدد الأصوات التي ترتبط مع تشكيلة الضوء من جهة البنية الخطابية غير الثابتة ضمن زوايا صغيرة متقاربة في القرص المهيمن على القاعدة ومختلفة في ملامسة الأفق.
فتوران وبسعي غير فوضوي يفترض فضاءات مليئة بتحويلات ذات حس وإدراك وبإيقاعات سريعة وراسخة ينطلق من عمق إلى آخر لخلق مرحلة ما تسمى مرحلة اللاتمطين أو بلغة أخرى مرحلة الالتحام الجمالي حيث التزامن بين الجهات التي تؤدي حتما إلى التوازن في تلقي المطالبات وعلاقاتها للعبور إلى الفعل، فعل الإضاءة في توتراته وطفراته، وفي انعكاساته ونطاقاته وفي ما يحرض لظهور سلاسل من تشييد التكوينات في أجزائها المختلفة، المتجاورة منها والمتشظية، كل ذلك في مجال مضطرب تكون كل مفردات سالي توران محاربة ضمن إمبراطورية الضوء دون الإعتاق لكل تكافؤات اللون في إشباع المؤثرات التي تقترب من حقل مختلف، حقل تشكل الإضاءة فيه الجزء الأكثر تأثيرا وحضورا في العمل ذاته كما في المتلقي وببريق يجرك إلى الحد الأقصى للتآلف وبالتفاعل مع نظام الرؤية الذي يكوّن بدوره العالم المرئي.
سالي توران ودون انتماء لأي مذهب فني محدد، فهو أقرب إلى الكل وأبعد عن الكل فهو يعرف إلى أين يسير ويعرف أنه ضد المنهجية المتزمتة، فكل شيء عنده وعلى غرار ما نرى في أعماله يفصل مجالات متعددة ويمزق الشكل ثم يربط فيما بينها بوشائج لونية حينا وبآثارها المادية حينا آخر للوصول إلى معيار قيمي جمالي تلد من انبثاقاته المرتبطة بدورها بمكثفات من الطاقة المتغيرة بتردداتها والتي تمر بكل تبدلات مساراته بدءا من أحاسيسه البدائية ومرورا بتخطيطه الحدسي ووصولاً إلى تأسيس سيميائي لتشكيلة الضوء لديه بمستوياتها المتعددة ويمكننا عندئذ تحديد تولدات ألوانه وتغييراتها دون أي فصل عن مصادر البريق ذاته الموغل في بؤر ضوئية دون أي تنافر في الآثار الحسية، بل خلق افتنان وبهجة قريبة من الإحساس الأشبه بالتجليات الروحية أو ما يطلق عليها بالرعشة التي تأتي عادة لتحريك الكامن فيه وتجاوز العتبات كلها وهذا يدفع بسالي توران إلى تفعيل العاطفة المرتبطة بفعل معرفي جمالي عبر تعقب الزمن في إدراكه الحسي مع تكريس الانسجام واسترخاء الذات دون الخضوع لأي معياري كلاسيكي، وحده الخضوع التأملي يسمح له ولمتلقيه بتصعيد مفردات بها تتوالد الحالة لديه على مدار الضوء.



