سعيد حمدان الطنيجي: الثقافة تتحوّل إلى مورد معرفي عالمي
في زمن تتقاطع فيه المعرفة بالاقتصاد، وتتشابك فيه الثقافة مع التكنولوجيا، تبرز الاتفاقية التشغيلية للمكتبة الرقمية العربية بين مركز أبوظبي للغة العربية و"آراب بوك فيرس"، الناشر والموزع الرائد للكتب الصوتية والإلكترونية العربية، لتشكل نقطة تحول في مسار المحتوى العربي الرقمي؛ فهي لا تكتفي بحفظ التراث الثقافي في فضاء إلكتروني آمن، بل تمهد لبناء اقتصاد معرفي عربي متكامل يجعل الكتاب والمحتوى الثقافي سلعة فكرية ذات قيمة اقتصادية عالمية.
تضع هذه الشراكة أُسساً جديدة لعلاقة متوازنة بين الثقافة والسوق؛ إذ يتحول النص العربي إلى مورد معرفي قابل للتداول، وتُفتح أمام المبدعين والناشرين آفاق رحبة للتوسع والوصول إلى قراء دوليين، ضمن منظومة تحافظ على حقوق الملكية الفكرية، وتدفع باتجاه الابتكار والإنتاج الرقمي والصوتي.
وفي ظل تصاعد هيمنة المنصات الكبرى، وتنامي دور الذكاء الاصطناعي في إنتاج المعرفة، يتبنى المركز رؤية تقوم على سيادة السردية الثقافية العربية، عبر شراكات تقوم على إدارة دقيقة تضمن أن تظل الكلمة العربية محور القرار والهوية.
وبهذه الخطوات، يرسّخ المركز دور العقل العربي بوصفه منتجاً ومؤثراً في المشهد المعرفي العالمي، لا مجرد مزوّد بيانات. كما تسعى المكتبة الرقمية المنبثقة عن هذا المشروع إلى إعادة تعريف القارئ العربي، ليغدو كياناً متصلاً بالثقافة العالمية بلغته، ومشاركاً فاعلاً في صناعة المعرفة الرقمية.
إنها رؤية شاملة تبني ذاكرة رقمية عربية حية، تنطلق من الأصالة لتصل إلى العالمية، وتعيد للغة العربية مكانتها في فضاء المعرفة الحديث، حيث تلتقي الهوية الثقافية بالاقتصاد المعرفي على أرضية من الإبداع، والوعي، والمسؤولية الحضارية.
حول تلك الاتفاقية وما يقوم به مركز أبوظبي للغة العربية من جهود في هذا المجال، كان لنا لقاء بالأستاذ سعيد حمدان الطنيجي، المدير التنفيذي للمركز، حيث أجرينا معه هذه المقابلة.
- في البداية سألناه: هل يمكن اعتبار أن الاتفاقية التشغيلية للمكتبة الرقمية العربية الموقعة بين مركز أبوظبي للغة العربية و"آراب بوك فيرس" تمثّل انتقالاً من فكرة "حفظ التراث الرقمي" إلى "اقتصاد المحتوى العربي"، وكيف تُعاد صياغة العلاقة بين الثقافة والسوق في هذا السياق؟
وأجاب بالتأكيد على أنه يمكن اعتبار هذه الاتفاقية خطوة نوعية تتجاوز مجرد حفظ التراث الرقمي، لتضع أطراً تأسيسية لاقتصاد المحتوى العربي؛ ففي السابق، كان التركيز منصباً على صون الكتب والمخطوطات والمواد الثقافية ضمن إطار رقمي، لكن الشراكة مع "آراب بوك فيرس" التي تأتي استكمالاً لتعاون المركز مع "أمازون"، تعيد تعريف العلاقة بين الثقافة والسوق؛ إذ يتحوّل المحتوى العربي إلى سلعة معرفية قابلة للتداول عالمياً من دون التفريط في قيمته الثقافية.
وأضاف بأن هذه المبادرة تتيح للكتاب العربي أن يصبح منتجاً اقتصادياً معرفياً؛ فالقارئ يحصل على محتوى عربي أصيل في أي مكان، في حين يفتح السوق الرقمي فرصاً للناشرين والمبدعين لتوسيع قاعدتهم الجماهيرية، وزيادة الإيرادات، وضمان استدامة صناعة النشر.
واعتبر أن الأهم في الاتفاقية أنها تعيد صياغة العلاقة بين الثقافة والسوق عبر تحويل المعرفة إلى مورد اقتصادي مع حماية حقوق الملكية الفكرية، وتحفيز الابتكار في الإنتاج الرقمي والصوتي، وفتح أسواق عالمية جديدة للكتاب العربي. بهذه الطريقة، تصبح الثقافة العربية قوة ناعمة قادرة على فرض حضورها ليس فقط من حيث الهوية الفكرية والثراء الثقافي، بل أيضاً من خلال تأثيرها على الاقتصاد المعرفي العالمي.
- سألناه أيضا: كيف يوازن المركز بين الانفتاح على الشركاء العالميين والحفاظ على سيادة السردية الثقافية العربية في ظل تزايد نفوذ المنصات الكبرى في إدارة المعرفة؟
قال الطنيجي إن المركز يواجه تحدياً إستراتيجياً في موازنة الانفتاح على الشركاء العالميين مع الحفاظ على سيادة السردية الثقافية العربية، وهو تحدٍ تتطلب معالجته رؤية دقيقة وإدارة حاذقة. ومن خلال اتفاقياته مع "أمازون" و"آراب بوك فيرس"، يتبنى المركز نموذج شراكة تفاعلياً وليس تبعياً، إذ يوفر التكنولوجيا والبنية الرقمية العالمية، بينما يظل المحتوى العربي الأصلي محور القرار.
ورأى أن الخطوة الأساسية لتحقيق هذا التوازن تكمن في آليات الحوكمة الدقيقة بوجود لجنة توجيهية رفيعة المستوى، ولجان استشارية، وإشراف مشترك على اختيار العناوين، لضمان أن أي كتاب رقمي أو صوتي يعكس القيم والمعايير الثقافية للمركز. وهكذا، يضمن المركز أن التقنيات العالمية تخدم الثقافة العربية بدلاً من أن تتحكم فيها.
وأشار إلى أن المشروع يركز على تعزيز حضور المحتوى العربي الأصيل على المنصات الدولية، بدلاً من الاكتفاء بالترجمة؛ فوجود المحتوى الرقمي العربي المباشر يمكّن القراء في مختلف أنحاء العالم من الوصول إلى الثقافة العربية بلغة ضادهم، ما يحافظ على الهوية الثقافية ويمنحها القوة في مواجهة التأثيرات الخارجية.
ورأى - كذلك - أن المركز يحقق توازناً بين الاستفادة من القدرات التكنولوجية العالمية وحماية السردية الثقافية العربية، من خلال إدارة المشاريع وفق معايير صارمة، واختيار محتوى يعكس الثقافة العربية، وضمان أن التوسع الرقمي يعزز حضورها ولا يقلل قيمتها. والنتيجة: تأسيس مكتبة رقمية عربية قوية، قادرة على منافسة المنصات الكبرى، مع الحفاظ على أصالة الصوت العربي في العالم الرقمي.
- سألنا المدير التنفيذي لمركز أبوظبي للغة العربية: كيف تضمنون أن يظل "العقل العربي" طرفاً منتجاً وليس مجرد مزوّد بيانات في عالم تتسارع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي والنشر التوليدي؟
وأجاب بأنه في ضوء الثورة الرقمية يبقى العقل العربي المنتج والمبتكر في صلب إستراتيجية المركز. ضمان ذلك يبدأ من المحتوى نفسه؛ فجميع العناوين الرقمية والصوتية تخضع لاختيار دقيق وفقاً لمعايير المركز، تضمن أصالتها الفكرية والأدبية.
ولفت إلى أن الخطوة الثانية تكمن في تعزيز دور المؤلفين والباحثين العرب بوصفهم مبدعين أساسيين، لا مجرد مزوّدي بيانات؛ فالمركز لا يقتصر على الرقمنة فقط، بل يدعم المشاريع البحثية، ومنح الترجمة، والمبادرات التي تتيح إنتاج معرفة أصيلة تُبرز الثقافة العربية وتفاعلها مع القارئ العالمي.
وقال إن اللجان الاستشارية والتوجيهية بالمركز تلعب دوراً محورياً في ضبط العملية الإنتاجية، فتعمل على مراجعة المحتوى، وضمان توافقه مع الهوية الثقافية، وتحفيز الابتكار، بحيث يظل العقل العربي مصدر القرار والمعرفة، وليس مجرد مستورد للبيانات يُعاد تشكيله آلياً.
وأوضح بأن المشروع يوفر بنية تحتية رقمية عالمية تُمكّن الإنتاج العربي من منافسة المنصات الكبرى، مع الحفاظ على سيادة الفكر العربي وأصالته. بهذا، يصبح المحتوى العربي قوة فكرية نشطة، تنتج المعرفة، وتشارك في الحوار الحضاري العالمي، وتضمن أن يكون للقارئ والمبدع العربي حضورا فعالا في صناعة المعرفة الرقمية، بعيداً عن الانحسار إلى دور سلبي في مواجهة موجة الذكاء الاصطناعي.
- ورداً على سؤال حول كيفية تمكن المكتبة العربية الرقمية من أن تعيد تعريف مفهوم "القارئ العربي"، في زمن تتقاطع فيه الجغرافيا مع الخوارزميات؟
قال إن المكتبة العربية الرقمية لا تقتصر على الجمهور المحلي، بل تتيح للقراء العرب في أي مكان من العالم الوصول إلى محتوى ثقافي غني وموثوق بلغتهم الأم، ما يجعل الانتماء الثقافي هو الرابط الأساسي بين القارئ والمحتوى، وليس موقعه الجغرافي.
وبيّن أن المنصة تمنح القارئ أدوات تمكنه من الوصول إلى كتب صوتية ورقمية متنوعة وفقاً لاهتماماته، ما يحوّل تجربة القراءة من مجرد استقبال للمعلومة إلى مساحة مشاركة معرفية وإبداعية؛ وبهذا المعنى، يصبح القارئ العربي شريكاً نشطاً في الثقافة الرقمية، يختار ويستكشف ويؤثر على طريقة استهلاك المعرفة، بعيداً عن حدود الجغرافيا التقليدية. وأن المكتبة تتيح تعزيز الحوار بين الأجيال والثقافات المختلفة داخل المجتمع العربي، من خلال محتوى موثوق ومتنوع يغطي الأدب والفكر والمعرفة. فهي لا تنقل فقط النصوص، بل تنقل الهوية الثقافية والفكرية العربية إلى فضاء عالمي، وتخلق جمهوراً واعياً ومشاركاً، يستطيع الإسهام في صناعة المعرفة.
وأكد على أن المكتبة العربية الرقمية تجعل القارئ العربي كياناً معرفياً متصلاً بالثقافة العالمية، محافظاً على أصالته اللغوية والفكرية، ومتمكّناً من التأثير والإبداع، لتصبح القراءة العربية تجربة ديناميكية ومتصلة بالفضاء الرقمي العالمي، بدلاً من أن تظل محصورة ضمن حدود المكان.
- سألناه كذلك: إذا كان المشروع يهدف إلى بناء ذاكرة رقمية عربية، فما معايير "الاختيار" في هذه الذاكرة، ومن يحدد ما يُرقمن وما يُؤجل؟
وأجاب بالتأكيد على أن حدود الاختيار تستند إلى معايير واضحة تراعي أصالة المحتوى وقيمته الثقافية والمعرفية، وليس مجرد توافر النصوص أو شعبيتها؛ فالمركز يعتمد على خبراء محليين ودوليين لمراجعة العناوين، وضمان توافقها مع الإستراتيجية العامة للمشروع، بما يحفظ الهوية الثقافية ويعزز مكانة اللغة العربية في العالم الرقمي. وأن عملية الاختيار تتضمن معايير زمنية ومحتوى موضوعياً؛ حيث تُمنح الأولوية للأعمال المنشورة خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة الأخيرة، لضمان حداثة المحتوى وصلته بالقراء المعاصرين، بينما تُدرس الأعمال الأقدم لاحقاً وفقاً لأهميتها الفكرية والثقافية. كما يُراعى في الاختيار تنوع التخصصات بين الأدب والفكر والمعرفة، لضمان شمولية المكتبة الرقمية وقدرتها على تلبية اهتمامات جمهور واسع.
وفي هذا السياق، قال إن المركز هو الجهة الرئيسة التي تحدد ما يُرقمن وما يُؤجل، مع إشراك شركائه الإستراتيجيين مثل "آراب بوك فيرس" وفرق العمل المعنية من "أمازون" لضمان جودة الإنتاج الرقمي والتوزيع العالمي؛ فالهدف ليس مجرد تخزين المحتوى، بل بناء ذاكرة رقمية حية تمثل الثقافة العربية بأفضل صورة، وتتيح وصول المعرفة بشكل موثوق، مع الحفاظ على التوازن بين الأصالة والإتاحة العالمية.
واختتم بالتأكيد على أن الاختيار ليس عشوائياً، إنه عملية إستراتيجية تجمع بين الرؤية الثقافية والجودة العلمية والقدرة الرقمية، لتضمن أن المكتبة العربية الرقمية تعكس الإرث الثقافي العربي بأمانة وفاعلية، مع فتح المجال لتوسيع محتواها مستقبلاً بشكل مدروس.