سقف الحرية في المسرح الجزائري مفتوح
تشارك الكاتبة والناقدة والمخرجة المسرحية الجزائرية د. ليلى بن عائشة في مختلف فعاليات الحركة المسرحية العربية عامة والجزائرية خاصة، ففضلا عن دراساتها النقدية ومقالاتها وعضويتها في لجان تحكيمية عدة، وأنها أستاذة محاضرة بجامعة محمد لمين دباغين، كتبت وأعدت جملة من النصوص المسرحية باللغتين الأمازيغية والعربية، أنتج منها "محاكمة نسوية" و"السوق نتسذنان"، و"أمغار تامنوكالت" وغيرها.
وفي هذا الحوار معها نتعرف على المشهد المسرحي في الجزائر وما يعتمل فيه من اشتغالات.
بداية أكدت بن عائشة أن المسرح الجزائري له خصوصياته التي تميزه عن المسارح الأخرى، وإن كان يتقاطع مع المسارح المغاربية والعربية على حد سواء، ولعل خصوصيته تنبع من كونه يأخذ بعين الاعتبار البيئة التي ينتمي إليها بما تحمله من مخزون حضاري، فكري، وثقافي له امتداده التاريخي، ناهيك عن التزامه بقضايا الأمة والانطلاق من المحلية التي تحرص في مضامينها على الحفاظ على عناصر الهوية الوطنية وثوابتها لا سيما منها اللغتان العربية والأمازيغية والدين الإسلامي بما كل ما تحمله هذه الثوابت من حمولات فكرية ودينية وغيرها، ليرصد هذا المسرح عبر تجارب فنانيه ومبدعيه أعمالا مسرحية فسيفسائية من حيث الثيمات والتلوينات الشكلية، والبحث في مفردات العرض المسرح، وتقديم أعمال متنوعة تسعى للاستجابة لطموحات الجماهير التواقة إلى فرجة مسرحية تعكس همومها وآمالها وآلامها وطموحاتها، وتنبع منها لتعود إليها بصورة فنية وجمالية رائقة تأصيلا وتجريبا يحمل روح العصر يعكس علاقة الأنا بالأنا، والأنا بالآخر .
وحول المشهد المسرحي الجزائري الخاص والحكومي والمستقل، أوضحت بن عائشة أنه إذا كان القطاع الخاص ممثلا في التعاونيات والجمعيات المسرحية يتسم بالطابع الهاوي - رغم احترافية الكثير من صناعه - يعاني من نقص الدعم المادي وقلة البرمجة مما تم إيجاد حلول له على مستوى الوزارة الوصية عبر ما يسمى بصندوق الدعم للنشاط الفكري والإبداعي، ومساهمة ديوان حقوق المؤلف والحقوق المجاورة في تمويل الكثير من الأعمال فيه، إضافة إلى دعم من جهات مختلفة، فإنه يبقى رهين جهود فردية أو جماعية للارتقاء به، وهو أيضا رهين العلاقات الشخصية في عملية البرمجة والمشاركة في المهرجانات خارج الوطن، أما المشاركة في المهرجانات الوطنية فتخضع فيها أعمال هؤلاء إلى دخول التصفيات في مهرجانين على مستوى الشرق (مهرجان قالمة) والغرب (مهرجان سيدي بلعباس) واللذان قلصا إلى مهرجان واحد في السنة بالتداول بعد أن كانا يعقدان سنويا، حيث تتأهل فرقة واحدة للمشاركة في مهرجان المسرح المحترف، ولا يقل هذا المسرح الذي يعتبر هاويا لأنه لا ينضوي تحت مؤسسة من مؤسسات الدولة، لا يقل من حيث الكم ولا الكيف عما يقدم في المستوى الاحترافي.
أما ما يعرف بمسرح القطاع الخاص بالمفهوم الواسع والدقيق فغير موجود، فإذا كان المسرح الهاوي يخضع للظروف والضوابط السابق ذكرها، فإن المسرح الحكومي على حد تعبيركم أو ما نطلق عليه في الجزائر اسم المسرح المحترف يخضع إلى ضوابط ترتكز على الاختيار الرصين والدقيق للنصوص عبر لجان فنية توكل إليها مهمة انتقاء النصوص الجيدة، ولها حرية اختيار الطاقم الفني من مخرج وسينوغراف وممثلين، وغيره، دون أدنى مشكلة ليحرص الجميع على جودة العمل المسرحي وإخراجه في أحسن صورة للجمهور، خاصة وأن هذا القطاع لا يواجه مشكلة على المستوى المادي، الذي عرف تراجعا في السنوات الأخيرة؛ حيث خضع الإنتاج المسرحي إلى التقليل ما أمكن من المصاريف المتعلقة به، فأضحت سياسة ترشيد النفقات أو ما يسمى بالتقشف تهيمن على الإنتاج المسرحي التابع للدولة من خلال ما يسمى بالمسارح الجهوية، لكن مع ذلك عادة ما تلتزم هذه المسارح بتقديم برنامج إنتاج طيلة موسم يشمل أعمالا مسرحية للكبار وللصغار وأعمالا مسرحية من الريبرتوار العالمي أو المحلي باللغتين العربية والأمازيغية. وعادة ما تؤهل أعمال المسارح الجهوية دون دخول التصفيات للمشاركة في المهرجانات الكبرى التي تعرفها الساحة الوطنية.
وأضافت "إذا حاولنا تقييم المشهد المسرحي فينبغي أن نقول إننا متفائلون بطبيعة الأعمال المقدمة لأن فيها جهودا متميزة لفنانين مثل كاتب ياسين، محمد بورحلة، ومخرجين مثل فوزي بن ابراهيم، محمد شرشال، عز الدين عبار، شوقي بوزيد، أحمد رزاق، الربيع قشي، وممثلين مثل محمد الطاهر الزاوي، رمزي قجة، صبرينة قريشي، عصام تعشيت، مصطفى صفراني، لبنى النوي، فايزة أمل، رشيد معمرية، احسن عزازني، سمير أوجيت وغيرهم كثيرون، وتجارب تشي وتعد بالكثير يكفي أن نذكر فيها أعمال على غرار ذكرى من الألزاس، زيدني نزيدلك، الحارس، مابقاتش هدرة، الهايشة، كشرودة، طرشاقة، العطب، فندق العالمين، القراب والصالحين، انتحار الرفيقة الميتة، أمنوكال، إيكنكر، يامنة، والأجداد يزدادون ضراوة، أمغار تامنوكالت. حيث تنوعت الرؤى الإخراجية بين العبثية والملحمية، والواقعية والكلاسيكية، والتجريبية وغيرها، كما جاءت النصوص متنوعة بين ما هو محلي وما هو من الريبرتوار العالمي أو العربي، ما هو تأليف خالص، وما هو إعداد أو اقتباس .
وأكدت بن عائشة أن المسرح الجزائري مرتبط ارتباطا وثيقا بالمسرح العربي، وثمة تواصل وتواشج من خلال تجارب مشتركة، فالمسرح الجزائري منفتح على المسرح العربي كما هو منفتح على المسرح العالمي، لذا فالنص العربي حاضر بقوة في الأعمال الجزائرية ما هو حديث وما هو معاصر على غرار كتابات العراقي علي عبدالنبي الزيدي، ونصوص عبدالكريم برشيد أو من خلال الإخراج على غرار قاسم محمد، وجواد الأسدي. وكانت فرص الانفتاح كبيرة في الجزائر عاصمة للثقافة العربية 2007 وقسنطينة عاصمة للثقافة العربية 2015 وتلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية 2011، والتواصل الذي انقطع أثناء العشرية السوداء بعث من جديد بعودة مهرجان المسرح المحترف مع أقطاب المسرح الجزائري الراحل امحمد بن قطاف في 2006 ومشاركة الفرق والكتاب والنقاد من مختلف الدول العربية، زيادة على المسرح الدولي بالعاصمة ثم ببجاية والذي كان منفتحا على الشرق والغرب.
وفي ظل التطور التكنولوجي وسهولة التواصل أصبحت المهرجانات العربية قبلة للفنانين الجزائريين بعد أن كانت أوروبا وجهتهم الأولى، فأسهموا في الحركية المسرحية العربية، وكان لتواجدهم أثر وتميز وكثيرا ما يقتنصون الجوائز الكبرى في فعاليات مسرحية عربية ذات شأن ووزن.
أما فيما يتعلق بالتأثير والتأثر فالعلاقة بلا شك جدلية بين المسرح الجزائري والعربي إذ يحمل المسرح الجزائري سمات تتعلق بالاشتغال على الممثل، وكذا في المجال السينوغرافي، حيث برزت أسماء لها وزنها اشتغلت على السينوغرافيا بروح إبداعية وجمالية تنبع من الاشتغال الدرامي بالدرجة الأساسية على غرار عبدالرحمان زعبوبي، ود. حمزة جاب الله، ومراد بوشهير، ويحي بن عمار وغيرهم، إضافة إلى العديد من المخرجين الذين سعوا إلى تكريس مبدأ البحث عن الجديد، ولعل هذه الجوانب كانت محل اهتمام في الفعاليات العربية، وإن كان التقارب أكثر بين المسارح المغاربية في كل من تونس والمغرب والجزائر وحتى ليبيا وموريتانيا بحكم القرب الجغرافي وتعدد القواسم المشتركة بينها، إلا أن الخصوصية من جهة والاشتغال الفني العميق خلق تميزا ملفتا حظي بالاهتمام العربي، وبالمقابل تأثر المسرح الجزائري حتما بتجارب مسرحية عربية خاصة تلك التي تنحو منحى التجريب وتشتغل بعمق على مختلف المفردات المسرحية.
ورأت بن عائشة أن للرواية سحرها الذي يقود حتما إلى محاولة استكناه لبها وتحويلها إلى مسرحية أو بالأحرى مسرحتها، وقالت "عاش المسرح الجزائري المعاصر على وقع تجارب مثمرة في هذا السياق كتب لها القبول والنجاح، لعل أبرز من اشتغل في هذا السياق هو الفنان مراد سنوسي الذي مسرح رواية "أنثى السراب" لواسيني الأعرج ليطلق عليها عنوان "امرأة من ورق"؛ حيث تم تقديم العمل من قبل المخرجة والممثلة القديرة صونيا، وقدمت ذات المسرحية باللغة الأمازيغية من قبل المسرح الجهوي ببجاية ومن إخراج عمر فطموش بعنوان "ثامطوثني" ولاقت نجاحا كبيرا، كما مسرح أيضا رواية حجرة الصبر للكاتب الأفغاني عتيق رحيمي، ومن بين الأسماء التي اشتغلت على المسرحة أيضا الأديب محمد بورحلة حيث مسرح رواية الأديب الجزائري الطاهر وطار "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي" لتصبح "عودة الولي" وأخرجها عمر فطموش وصمم السينوغرافيا عبدالرحمان زعبوبي وأنتجها المسرح الجهوي بباتنة. ومن جهتها مسرحت د. ليلى بن عائشة قصتين لإبراهيم الكوني من المجموعة القصصية "خريف الدرويش" وجعلت منهما مسرحية، وهما قصتي العهد والحسناء، لتصبحا بعنوان "أمغار تامنوكالت" وأنتجت النسخة الأمازيغية للنص من إخراج رمزي قجة وإنتاج مسرح باتنة الجهوي.
هذه بعض الأمثلة عن أعمال معاصرة جاء بعضها تلقائيا برغبة من الكاتب في الاشتغال على أعمال سردية استفزته على غرار "امرأة من ورق" و"حجرة الصبر" وكذا "أمغار تامنوكالت" (الشخ والحسناء)، أما "عودة الولي" فكانت في إطار توجيه من قبل وزارة الثقافة إلى الاشتغال على الروايات الجزائرية ومسرحتها للارتقاء بالنصوص المسرحية، أو في إطار نقص النصوص المسرحية حتى لا نقول الأزمة. وبرأيي أن التوجه لمسرحة الرواية ليس بالضرورة بسبب أزمة في النص المسرحي، بل لأن بعض الأعمال الروائية أو القصصية جيدة بما يكفي لتغري الكاتب أو الدراماتورج لتحويلها إلى مسرحية حتى يمتع جمهور المسرح، ويجعل من هذا النص السردي عملا حيا على الخشبة، وقد يطال هذه النصوص الكثير من الإضافات والتعديلات مما يجعل النص المُمَسْرَح يستجيب لتطلعات المُمَسْرِح .
وواصلت بن عائشة رؤيتها موضحة أنه في السياق نفسه الاقتباسات والإعداد عن نصوص من الريبرتوار العالمي ليس بالضرورة دائما لوجود أزمة في النص، ولكن بعض المخرجين الذين يتعاملون مباشرة مع النص يجدون أنفسهم في مواجهة قضية معينة قد يُلْفُون لها معادلا موضوعيا أو موازيا على مستوى الريبرتوار العالمي، لذا يكون التوجه مباشرة إليها، وقد يكون في الكثير من الحالات لعدم الاطلاع الكافي على النصوص الجديدة أو نقص الترويج لها بندوات قراءة أو غيرها، أو لافتقار بعض النصوص المسرحية إلى سمة الكتابة الركحية ـ وطغيان الكتابة الأدبية الإنشائية عليها ـ التي تسعف كثيرا في ترشيحها واختيارها لتتحول إلى عروض. وعادة قنوات وصول النصوص إلى المسارح المنتجة تكون فيها معوقات كثيرة وتخضع للمحاباة في بعض الأحيان مما يؤدي إلى إنتاج عروض قد لا تنجح مهما حاول المخرج ومن معه الاجتهاد، لأن النص ببساطة هزيل، فيلجأ الكثيرون إلى الاقتباسات بدل الاشتغال على نصوص مؤلفة، ومن تجربتي المتواضعة في لجان القراءة والتقييم على مستوى وزارة الثقافة وكذا اللجان الفنية على مستوى المسارح الجهوية قلما نجد نصا متكاملا في بنائه ورؤيته و..، فوجود الدراماتورج لتأهيل النص بات أكثر من ضروري وهذا معمول به في الكثير من الأحيان في الجزائر، ولكن يبقى أن نقول في هذا المقام إن بعض النصوص لها سحرها الذي لا يقاوم، وبريقها لا يخبو مع مرور الزمن بل تبقى على إشراقها، والأهم أنها تعكس روح العصر الذي نعيشه ومن المهم تقديمها للجمهور الواسع فروائع شكسبير أو موليير وتشيكوف، وميللر، وغيرهم ستظل مغرية باقتباسها وإعدادها في المسرح العربي .

