سليمان شاكر يصعد إلى السماء صعوداً مقدسا
يوم 30 أيلول/سبتمبر 2025، ضاقت الدنيا بالفنان التشكيلي الكردي، العراقي سليمان شاكر (1935-2025)، فحزم حقائبه وألوانه وريشه ليمضي إلى عالم آخر، بحثاً عن حياة أخرى أكثر حيوية وجمالاً، علّها تكون قادرة على حمله وألوانه، ويبدأ فيها نبضاً جديداً، زرعاً جديداً، شق طرق جديدة، حياة لا صراع فيها على الكلأ والماء، ولا على الكراسي بحجة قيادة البشرية، فالحياة فيها يضم القادم إليها بأجنحة من ضوء ونور، ويحلق فيها كلٌّ حسب أعماله وإبداعاته فيها. وسليمان شاكر أعماله كانت قد سبقته إليها، ويدفعه الثمن المحيط به إلى رؤية الأمور على حقيقتها، في حمل ريشه وألوانه من جديد ليرسم الحياة الجديدة بألوان جديدة وأسلوب جديد. فالخيارات مفتوحة ومتاحة على مدّ الروح، والوحدة هنا ليست صعبة، ولا شعور بها، فإذا كان بين الآخرين يؤنسك في حياتك الأولى، ها أنت تؤنس لكل ما حولك. وصحيح أن الجسد غائب، لكن الروح أكثر حضوراً وبالتالي أكثر إبداعاً، فاحمل ألوانك وريشك صديقي ولتبحث عن رفقة الجمال هنا، فالفضاء كله لك، والمساحات الشاسعة لك، كلها تنتظر أصابعك التي تحمل تلك الريش المقدسة لديك، لتغمسها في ألوانك وتبدأ بعمليات الخلق، خلق الجمال والحب، واملأ الفراغ من حولك بألوان طالما تمنت لو بقيت وحيدة، لو بقيت أنت وحيداً، لردمت بئر العقوق، ولصرخت دون صوت بأن ردّ المعروف بالإساءة جريمة لا تُغتفر، ولا أحقر من ذلك. ارسم يا صديقي معزوفاتك على الجهات كلها، فلا وجود لرياح حتى تمحوها، اعزف فأنا والناس جميعاً نسمعها، ونكتبها على صخرة لنقرأها دوماً.
غادرنا سليمان شاكر، أحد أهم الرموز التشكيلية في كردستان العراق، غادرنا وهو يحمل ما تبقى له من أحلام، لعله يشحذ همته حتى تصبح حادة، بها يحقق أحلامه المؤجلة، فهو يدرك بأنه لا يمكن تحقيق شيء ما لم يكن حلماً في البداية. فحلم كثيراً، ولم تسعفه الحياة من الوقت الكثير لتحقيقها. صحيح أنه عاش تسعين عاماً، لكنها بالنسبة له ولأحلامه لا تكفيه، قصيرة جداً بالنسبة له ولأمثاله. ليس أمامهم إلا حمل ما تبقى منها لتحقيقها في عالم آخر، عالم يستوعبك وأحلامك جميعها مهما كنت مفرطاً بها. غادرنا ابن الجبال التي حملت من آلامه وآلام شعبه بكل مراراتها وعذاباتها حتى غدت السنون في تمام الصحة والعافية. وإذا تفرغت تلك الجبال للتأليف وكتابة مذكراتها، كم من مجلد ستحتاج، وأفلا يحق لها الآن أن تصرخ وبعصبية لا تطاق وهي تودع أحد أحبتها: تبّاً للحياة؟ الجبال أوفياء لأبنائها، والأبناء أوفياء لجبالها، وهل من فنان كردي لم يسخّر حيزاً كبيراً من إبداعاته لها، لتلك الجبال وما منحته من عنفوان وجمال لهم وللطبيعة الخلابة؟ ويحق لها وله أن يرددوا العبارة التالية: يا لها من نعم أكرمنا الله بها.
سليمان شاكر من مواليد 1935، ناحية گوير التابعة لقضاء مخمور بمحافظة أربيل، كان شغوفاً بالفن وعاشقاً له منذ طفولته وفي يفاعته، وكان أول من التحق بجامعة بغداد من كوردستان، وكان ذلك في عام 1952، وتخرج منها، من كلية الفنون الجميلة، وقام بتدريس الفن التشكيلي في مدارس ومعاهد الفنون الجميلة لمدة تتجاوز خمسة وثلاثين عاماً. وهو صاحب أشهر لوحة للراحل مصطفى البارزاني، والمعروضة في قاعة الاستقبال في برلمان كردستان العراق. وفي عام 2007 جمع أعماله الفنية التي امتدت على مدى ستين عاماً في معرض فني بجوار منزله. أعماله تحاكي حياة الكورد وكردستان، تحاكي عاداتهم وحياتهم وجبالهم وطبيعتها. وهناك شيء من التوأمة بين الكورد وطبيعة كردستان، فكما الكورد يتمتعون بروح جميلة وطيبة ونقية، كذلك طبيعة كردستان التي تعتبر بحق من جنان الأرض. فكيف لا يبدع الفنان الكردي وهو يتنفس هذا الجمال، ويملأ روحه وعينه بكل هذا النقاء، وينهل من ينابيعها دهراً من الزمن. قد قلتها سابقاً وأقولها الآن: لا يمكن أن تجد فناناً كردياً لم تلهمه طبيعة كردستان وجمالها، بل هي السمة المشتركة بينهم جميعاً، كل بطريقته وأسلوبه. وسليمان شاكر على امتداد سبعة عقود تزيد أو تنقص قليلاً وهو يشتغل بقدراته الخاصة على خيارات عديدة متاحة برؤاها وبما تحمله في دواخلها من عناصر شتى في الأزمنة الثلاثة: الماضي بإرثه الكبير، والحاضر المعاش، وما يتم خلقه، والقادم أو المستقبل المتخيل، الحلم الجديد المتجدد. فتتملكه رغبة لا تقاوم في الإمعان والتأمل في مفردات الأزمنة الثلاثة، وفي إضاءة جوانب كل منها. فسليمان شاكر يعيد النظر فيها جميعاً وعلى نحو دائم، بحثاً عن الأجمل والأبقى، بأدواته وتقنياته، لا استجابة للغة عصره وحاجاته، بل بما يجده في ذلك الإبداع المفتوح على أحدث التقنيات والأساليب، وصهر كل خبراته بلغة إبداعية دائمة الحراك، مفتوحة على الحياة طولاً وعرضاً وسطحاً وعمقاً. فعينه كانت مفتوحة على كل التجارب وقيمها الجمالية، وكأنها كانت المدى في اتساعه للالتقاط بأمانة وعمق ونزاهة إبداعية وإنسانية، في مكان أكثر غنى من بقاع الأرض كلها. فهو يوظف الماضي لبلورته ومنحه مزيداً من العمق، وهذا ما يمنح الحاضر قوة تترك آثارها على تجربته برمتها. يأخذ الماضي دون أن يسمح له بالهيمنة والتسلط، وهذا مطلب كل مبدع. وهذا يقودنا إلى البحث عن تلك القيم الإبداعية الرفيعة التي حققها شاكر، وهذا بدوره يحملنا إلى موقع آخر من المسألة، كملاحقة التأثيرات المتبادلة بينه وبين الأزمنة بخصائصها الاصطلاحية التي تجعل منها موضوعاً فنياً غنياً، جديراً بالدراسات الجمالية، شأنه شأن كل الحالات الإبداعية التي يمكن الوصول إليها، والمنفتحة على التأثيرات والاستلهامات التي تلعب الدور الأكبر والأهم في الوصول إلى نتائج إبداعية لم يكن الوصول إليها متاحاً مهما غاص الفنان في التفاصيل.




