سمير جعجع يرفض خطاب حزب الله الطائفي

رئيس حزب القوات اللبنانية يؤكد أن خطاب نعيم قاسم مرفوضا بكل المقاييس مشددا على أن حزبه لن يألو جهدا في دعم مؤسسات الدولة الدستورية.

بيروت - أطلق خطاب نائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، الذي استدعى فيه معجما طائفيا شيعيا "المعركة الكربلائية، للتلويح بمواجهة تنفيذ قرار نزع سلاح الحزب، موجة من التنديد والاستنكار السياسي، حيث وصفه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، بأنه "تهديد مباشر" للحكومة والمؤسسات الدستورية.

وتأتي هذه التصريحات في خضم أزمة سياسية متصاعدة، بعد قرار الحكومة اللبنانية بـ"حصرية السلاح" في يد الجيش اللبناني، مما يضع مستقبل البلاد على المحك بين مسارين: مسار الدولة ومؤسساتها، ومسار القوة العسكرية الموازية.

وفي رده على تصريحات قاسم، التي اتهم فيها الحكومة اللبنانية بـ"تسليم لبنان لإسرائيل" عبر قرارها تجريد الحزب من سلاحه، أكد جعجع في بيان نشره عبر صفحته على فيسبوك أن خطاب قاسم "مرفوض بالمقاييس كلها".

واعتبر جعجع أن هذا الخطاب لا يشكل تهديدا للحكومة والأكثرية النيابية التي منحتها الثقة فحسب، بل هو "تهديد مباشر لكل لبناني حر".

وأضاف جعجع، مهاجمًا خطاب قاسم، أنه "إذا كان الشيخ نعيم يفترض أنه لم يعد في لبنان لبنانيون أحرار، فهو مخطئ، بل مخطئ جدا، وإذا كان يفترض أنه بهذه الطريقة يفرض هيبته غير الموجودة أصلا على هؤلاء اللبنانيين الأحرار، فهو مخطئ أيضا وأيضا وأيضا".

وأكد جعجع "في هذه اللحظات الحساسة من تاريخ لبنان، نقف جميعا كلبنانيين أحرار، ونحن نشكل الأكثرية الكبرى في لبنان، خلف مؤسساتنا الدستورية، ممثلة خصوصا برئيس الجمهورية وبرئيس الحكومة اللذين يسعيان بكل ما أوتيا من وطنية واندفاع وقوة إلى إعادة لبنان إلى نفسه، وإلى إعادة الدولة الفعلية إلى انتظامها، وإلى إعادة أصدقاء لبنان إليه، وإلى إعادة المجتمع الدولي أيضا إلى جانبه".

وشدد على أن "المرحلة التي نعيش هي مرحلة تأسيسية بامتياز، ولن نألوا جهدا في دعم مؤسساتنا الدستورية، والوقوف جميعا خلفها وإلى جانبها، ولن نألوا جهدا في بذل كل ما يمكن في سبيل عدم السماح لأي كان بإفشال هذه المحاولة من جديد".

وكان قاسم قال، في كلمة متلفزة في ذكرى أربعين الإمام الحسين الجمعة، إن المقاومة "لن تسلم سلاحها والعدوان مستمر والاحتلال قائم، وسنخوضها معركة كربلائية إذا لزم الأمر، ونحن واثقون بأننا سننتصر"، محملا الحكومة اللبنانية "كامل المسؤولية عن أي فتنة داخلية، وفي تخليها عن واجبها في الدفاع عن أرض لبنان".

وجاء موقف قاسم بعد يومين على زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى العاصمة اللبنانية، وقبل يومين على زيارة الموفد الأميركي توماس براك المزمع وصوله إلى بيروت، الاثنين المقبل.

وتندرج تصريحات قاسم في سياق رفض حزب الله لقرار الحكومة اللبنانية بتجريد الحزب من سلاحه، وتكليف الجيش بوضع خطة لتطبيق هذا القرار.

فبعد أن كان حزب الله القوة السياسية والعسكرية الأكثر نفوذا في لبنان، مدعوما من دمشق وطهران، تغيرت موازين القوى في البلاد، إذ أضعفت الحرب الأخيرة مع إسرائيل الحزب، ودمرت جزءًا كبيرًا من ترسانته، مما منح الحكومة اللبنانية الحالية، برئاسة نواف سلام، فرصة تاريخية للتحرك.

وللمرة الأولى في تاريخ العلاقات اللبنانية الإيرانية، أبلغ مسؤولون لبنانيون رسميّون، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، المسؤول الإيراني لاريجاني "رفضهم أي تدخل" في الشؤون الداخلية للبلاد، وهو ما يعتبر تحولا نوعيا في الموقف اللبناني.

وندد رئيس الحكومة اللبنانية بشدة بتصريحات قاسم، واصفا إياها بـ"التهديد المبطّن" بالفتنة والحرب الأهلية.

وأكد سلام أن "الحديث عن أن الحكومة اللبنانية تنفذ مشروعا أميركيا إسرائيليا هو حديث مردود"، مشددا على أن القرارات اللبنانية "صنع في مجلس وزرائنا ولا أحد يمليها علينا".

كما حمّل قاسم الحكومة "كامل المسؤولية لأي فتنة يمكن أن تحصل"، وحذّر من "زجّ الجيش في الفتنة الداخلية".

وتأتي هذه التحذيرات في ظل سعي الحكومة اللبنانية لتطبيق قرارها الذي وصفه خصوم الحزب بـ"التاريخي"، والذي يهدف إلى حصر حمل السلاح بالأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية الرسمية، وذلك في إطار تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل بوساطة أمريكية.

وأكد سلام أن هذا القرار ضروري لضمان "الاستقرار والأمن والأمان" في البلاد، وهي شروط أساسية لجذب الاستثمارات اللازمة لإعادة إعمار لبنان، التي تقدر تكلفتها بنحو 11 مليار دولار.

وقدّر البنك الدولي تكلفة إعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار.

ورغم اتفاق وقف إطلاق النار، تواصل إسرائيل شنّ ضربات على مناطق مختلفة في لبنان، وتقول إنها تستهدف بنى تحتية لحزب الله ومستودعات أسلحة وقياديين ناشطين ضدّها. وتتوعد بتوسيع نطاق عملياتها العسكرية في لبنان ما لم تنجح السلطات في نزع سلاح الحزب.

وتضع الأزمة الراهنة لبنان على مفترق طرق حاسم، إذ تسعى الحكومة اللبنانية بدعم من فئات واسعة من الشعب اللبناني والمجتمع الدولي، إلى استعادة سيادة الدولة، وحصر القرار العسكري والأمني في يد مؤسساتها الشرعية.

وفي المقابل، يتمسك حزب الله بسلاحه الذي يعتبره ضروريا لمواجهة إسرائيل، لكن خصومه يرون فيه تهديدا داخليا يمنع الدولة من استكمال بناء مؤسساتها.

إلى ذلك، قال قاسم إن الحزب وحليفته حركة أمل، ممثّلّي الشيعة في التركيبة السياسية اللبنانية القائمة على الحصص الطائفية، أرجآ الدعوة الى "تظاهرات" لإتاحة المجال أمام "النقاش" و"لإجراء تعديلات قبل أن نصل إلى المواجهة التي لا يريدها أحد".

لكنه أضاف "إذا فُرضت علينا نحن لها، ونحن مستعدون لها، ولا خيار أمامنا".

وفي ظل هذه الأزمة المتصاعدة، يواجه لبنان تحديا مزدوجا يتمثل في التجاذب الداخلي بين مشروع الدولة ومشروع حزب الله، إلى جانب الضغوط الإقليمية والدولية،

ويبقى مستقبل لبنان معلقا بين قدرة الحكومة على المضي قدما في قرارها لإعادة بناء دولة فعلية، أو أن خطاب التهديد سيفرض واقعا جديدا يُعمق الانقسام ويؤجل حل الأزمة إلى أجل غير مسمى.