سونيا سيف الدين و إثارة دلالات المهارة في ذروة حبكتها
في عملية البحث التي قمت بها بين أعمال الفنانة التشكيلية سونيا سيف الدين، تبين لي وجود وفرة متضافرة في سردياتها اللونية من خلال توظيف مسالك غير معقدة وتحريرها، مع ظهور مقتضيات تخيلية تسعى سونيا إلى بلورتها بعناصر إضافية قد تساعدها لاحقاً في كسر تلك الحواجز المصطنعة لا إرادياً، والتي ستجعلها تعيد النظر في تلك المظاهر المتجذرة في العقل الباطن.
وتبين لي أيضاً وجود وفرة في تفاصيل حركاتها المتعلقة بخيوط تشمل سلسلة أجنحة (وإن كانت بعضها متكسرة) نتيجة الروح الحالمة لديها والتي تحاول إخفاءها؛ وليتها لم تفعل ذلك، فتلك الروح لو أطلقت العنان لها لكانت من الممكن أن تجعل من تجربتها شجرة تحت ظلها كان سيتفيأ الكثيرون. لكن كسرها إحدى أجنحة تلك الروح جعلتها تغرق في انطباعية ملَّ منها الكبار والصغار من الفنانين، فأغلب أعمالها تحت السيطرة إبداعياً، ولهذا يشمل اختيارها الانخراط في الذات الإنسانية. وقد يكون ذلك ليس لسوء حظها، بل نقطة ارتكاز لإيقاع تبادلاتها المتسارعة ومفتاح دخول لنسغ حياة تنسجها بقاموسها اللغوي الخاص بها، كالتعبير عن الملموسات المستجدة حيناً، وعن أحاسيس تتوافر بكثرة في مجمل معادلاتها المتصلة بالتفاصيل دون خلق أي خلخلة في تطويع العمق.
فالنفاذ إلى فسحات أعمالها يحتاج إلى زمن لا بأس به من الرصد الكثيف والتأمل لسياقاتها بغية مقاربتها وخلق هدنة معها، وبالتالي لارتياد الأقاصي منها؛ حينها سيضاء لنا مجمل المسافات التي ستبرز برصانة تلك التفاصيل المسرفة في حشدها في بعض الأمكنة من العمل، وتثري بإدهاش في أمكنة أخرى، وهذا ما يجعل أعمالها تنطلق ضمن حركة شبه متناظرة في إطارها العام. بالإضافة إلى وجود حالة من الانخراط الفعلي في مساحة الاستجابة لدى المتلقي مع وجود أصداء لسردياتها ضمن الواقع البانورامي الذي يتوخى التعمية لحقائق معلقة، تلك الحقائق المفتوحة إلى اللانهاية، وهذا يدفعها إلى البحث عن علاقة قصدية قد تكسر أفق توقع القارئ قبل تشكله.
وتفرش بها سونيا على نحو لافت تحولاتها المحلوم بها والتي بها ترداد مناطق من الذاكرة علّها تسترد ألواناً سرقتها تلك المفاسد المنحدرة من القمع والكبح، وهذا احتجاج جميل يسجل لها. ولهذا أميل إلى اعتبار مجموعة أعمالها الأخيرة انعطافاً نحو الانطلاق خارج السائد حينها، أو خارج "سائدها" إذا صح التعبير؛ وبهذا تعيد الاعتبار لانطلاقتها بالتوافق مع انشغالها بإدراج مقامات مختلفة لتغييراتها التي ستنتج لاحقاً لها موسماً مهماً يفضي بها إلى تجديد صياغة تساؤلاتها دون أية إعادة لها، لا في إعادة التفاصيل ولا في إعادة ما كان يفرز حين اقترابها من اللغة السائدة.
فالمسألة عندها تمت بصلة ما بذلك الخيط الذي يبقيها ولو افتراضياً بالمتخيل الاجتماعي العميق الذي سيسهم لها في فتح نوافذ بين واقعيها (الحكائي والمتخيل)، حيث تناقش أنماطاً من تلك التجليات بمعطياتها (الزمكانية) على مساحات صمت توقعاتها، وإن بإثارة دلالات المهارة في ذروة حبكتها.


