شيزوفرينيا جماعة الإخوان بين مصر وتركيا

كثيرة عوامل الفصام التي تعتري مواقف الإخوان ولا تتوقف عن تبني سرديات متناقضة، معتمدة على أن هناك جمهورا في مصر قد يصدقها بعواطفه.

لم تعد الشيزوفرينيا، أو حالة الفصام، التي تظهر على طيف واسع من جماعة الإخوان خافية على الكثيرين عند تناولها بعض الأحداث الإقليمية، فقد اعتاد المصريون التعامل مع نظرتها غير الموضوعية للتطورات، والنيل من النظام الحاكم، كلما وجدت لذلك سبيلا، وبأي وسيلة رديئة. وآخر تجليات الفصام موقف بعض أتباعها ممّا يجري من حرب إسرائيل الضارية على قطاع غزة، وضربات عنيفة تعرضت لها مواقع سورية.

في الأولى، ناشدت أصوات إخوانية مصر بالتدخل عسكريا بحجة إنقاذ سكان القطاع، وتم حثها على خوض حرب في مواجهة إسرائيل لمناصرة حركة حماس التي قامت بعملية طوفان الأقصى منذ أكثر من 21 شهرا من دون استشارة أو تنسيق مع أحد، وحسبت أنها تمتلك قوة تستطيع من خلالها صد عدوان إسرائيل.

ولم تكتف الأصوات التي صدر غالبيتها من تركيا بحثّ القاهرة على التدخل عسكريا، بل إلقاء اللوم عليها واتهامها بالتقاعس، وأحيانا المشاركة في فرض حصار على غزة، فالمطلوب إنهاء اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، وخوض حرب استنزاف طويلة معها وحليفتها الولايات المتحدة، وربما مع العديد من الدول الأوروبية.

في الثانية، لم نر صوتا إخوانيا واحدا يطلب من تركيا خوض حرب في مواجهة إسرائيل ردا على اعتداءات الأخيرة المتكررة على الأراضي السورية، بعد تدمير ما تبقى لدى دمشق من مطارات وقوة جوية ومعدات عسكرية، وتركيا هي راعية للنظام السوري، ولعبت دورا مهما في إسقاط نظام بشار الأسد، وتحدثت كثيرا عن شراكات واتفاقيات تعاون متعددة الوجوه معه، وغضّت الجماعة عيونها عن أيّ أطماع لأنقرة في شمال سوريا، ومهاجمة الأكراد، ولم تتوقف عند تدخلاتها السابقة في أراضيها بذريعة مطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني، ولا أحد يتحدث عن مصير القوات التركية المتواجدة في شمال سوريا بعد المصالحة مع حزب العمال.

المقارنة بين موقف الإخوان من مصر- غزة، وبين موقفها من تركيا – سوريا قديمة وممتدة ومنحازة، وبدأت قبل عملية طوفان الأقصى والتداعيات الثقيلة لاختراقات إسرائيل في سوريا، وكشفت رؤية الجماعة أن كل ما تقوم به القاهرة مع تل أبيب مُحرّم دينيا ومُجرّم أخلاقيا، وكل ما تفعله أنقرة له مسوغات ومبررات سياسية. وبالتالي ليس غريبا أن تتوالى الانتقادات لمواقف مصر، وتتوقف عند رؤى تركيا، مع أنه كان هناك بون شاسع بين القاهرة وأنقرة من بعض القضايا الإقليمية والملفات المطروحة في المنطقة، وتم تقريب المسافات فيها، أو على الأقل تسكينها.

يتلبس جماعة الإخوان إنكارٌ واضحٌ، فهي لا تريد تصديق أن العلاقات بين مصر وتركيا تحسنت، ويمكن أن تشهد تطورات كبيرة الفترة المقبلة، لأن هناك تهديدات مشتركة قد تلحق أذى بالغا بكليهما، والتهدئة التي ظهرت بينهما حيال الأزمة الليبية، وكبح خلافاتهما حول غاز شرق البحر المتوسط، وتحجيم نسبي للجماعة في إسطنبول بعد أن كانت يدا طولى لأنقرة في مواجهة القاهرة، كلها مؤشرات دالة على إمكانية توسيع نطاق التفاهم بين مصر وتركيا، وهو ما لا تريد قيادات الإخوان وعناصرها تصديقه حتى الآن أو القبول به مستقبلا، معتقدين أن الهجوم على مصر يحرج تركيا، وربما يغيّر موقف الأولى منها، ويخلق فتنة تؤدي إلى وقف أيّ تعاون بينهما.

تسببت شيزوفرينيا حادة تعيشها جماعة الإخوان وتغليفها ببراغماتية مصطنعة في تقزيم خطابها السلبي تجاه مصر، وخطابها الإيجابي نحو تركيا، ولم يعد الكثيرون يتعاملون مع الاتهامات الموجهة إلى القاهرة ورؤيتها لغزة على محمل الجد، لأنها كاشفة عن تعسف وعدم قدرة على قراءة المشهد الإقليمي بشكل جيد، ومعرفة أن حماس قدمت إلى إسرائيل أهم مكسب إستراتيجي في الوقت الراهن عندما أقدمت على عملية طوفان الأقصى، وأن مصر التي رفضت التهجير قسرا وطوعا وتدافع عن القضية الفلسطينية كجزء من أمنها القومي تحسب موازين القوة بصورة واقعية.

قال أحدهم إن الجيش الأول قُصف في سوريا، فأين الجيش الثاني في مصر، وكأن العلاقة بين البلدين على ما يرام ولا يشوبها خلاف سياسي جذري، في محاولة لاستعارة تاريخية ربطت بين البلدين، وجعلت جيش مصر الأول في سوريا عندما خاضتا حربا مشتركة في أكتوبر 1973، وقفز الإعلامي المحسوب على الإخوان وتفوّه بالعبارة السابقة باعتبار أن تركيا بعيدة جغرافيا وسياسيا عن سوريا، ولم يوجه إليها نداء مماثلا، وتحدث آخر عن الموقف إذا ضربت وزارة الدفاع في القاهرة بعد أن استهدفت في دمشق، وأسقط هذا الشخص عوامل كثيرة من حساباته، أهمها القوة العسكرية المصرية وحرصها على توفير مكونات ردع قبل الرد، وأن سوريا ضُربت وهي في أوج اتصالات نظامها الحاكم مع إسرائيل وبرعاية أميركية وتركية.

كثيرة عوامل الفصام التي تعتري مواقف الإخوان، ولا تتوقف عن تبني سرديات متناقضة، معتمدة على أن هناك جمهورا في مصر قد يصدقها بعواطفه، وأنها تنأى عن إحراج تركيا، التي تأمل الجماعة في الحفاظ على حضانتها لها، والبهجة التي انتابت عناصر الجماعة عقب وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة في دمشق هي بهجة بصعود فصيل إسلامي برعاية أنقرة، وثمة رهان على ممارسة ضغوط على مصر لإجبارها على قبول الإخوان في المشهد العام، وهو رهان يندرج في إطار نقص الإبداع داخل جماعة تضع تصورات خيالية وتبني عليها مواقف حقيقية ليس لها ظل في الواقع.

فات الإخوان أن التطورات الجارية في المنطقة لا تصبّ في مصلحة مصر وتركيا أيضا، أو أيّ قوة إقليمية كبيرة، لأن إسرائيل تسعى للهيمنة ورسم خرائط جديدة تخدم مصالحها فقط، ومن هذه المصالح عدم وجود قوى منافسة، وليس بالضرورة أن يكون الوصول إلى هذه الحالة عبر الحرب مباشرة، لكن نثر المنغصات وزيادة المطبات حول القوى المحتمل أن تمثل قلقا لإسرائيل، من الخيارات التي تلجأ إليها. والإخوان أداة جيدة يمكن الاستعانة بها في تحميل تركيا إرثا ثقيلا مهما حاولت الفكاك منه أو تخفيفه، ومناكفة مصر في كل كبيرة وصغيرة، منطقية وغير منطقية، ومناوشات الجماعة في حرب غزة من الوسائل التي تعتقد أنها محرجة لمصر، وقد تفضي إلى معرفة نواياها من القطاع.

تتعمّد مصر الرسمية عدم الالتفات إلى أصوت الإخوان نحو غزة أو أيّ من الملفات الإقليمية الحيوية، لأنها لا تريد منح الأمر أهمية، وتفويت الفرصة على عملية شغلها بقضايا جانبية، وتخطئ الجماعة إذا رأت أنها تسدي خدمة لتركيا باتهاماتها الموجهة إلى مصر، فتضخم إسرائيل وتمكنها من تحقيق أهدافها الإقليمية يؤدي إلى إزعاج إستراتيجي بالغ للقاهرة وأنقرة، ما يعني أن ما يهم قيادات الجماعة الانتقام من الدولة المصرية والسعي إلى توريطها، وكأن قيادات هذه الدولة تُلقي وزنا كبيرا لما يتردد على سبيل الدعاية السوداء، والرغبة في إيجاد مساحة حركة هامشية في الخارج بعد أن ضاقت السبل أمام الحركة في الداخل.