صمت القيامة وصيحة الهيجاء !...ما تداعيات الحرب القادمة على العراق واقليم كُردستان ؟
بوتيرة متسارعة للأحداث، ومن جديد، تتصاعد التوترات بين طهران وتل أبيب، وذلك وسط مؤشرات ظاهرة تقول لنا إن المنطقة برمتها قد تكون في طريقها إلى حرب طاحنة وقتال محتدم، ومواجهة عسكرية شبه شاملة تخيّم على مساحات شاسعة وتجتاح عدة دول بعد صدام المصالح في الشرق الأوسط.
وهذا التصعيد لا ينبع من خلاف لحظي آني، بل من تراكمات سياسية وعقائدية وأمنية معقدة تمتد لعقود طويلة. وهنا يجدر بنا تحليل بعض العناصر الفاعلة والاعتبارات المؤثرة التي قد تقود من جديد إلى اندلاع حرب مدمرة ومباشرة بين الدولة العبرية وولاية الفقيه الإيراني، ونحن إذ نستعرض بشكل فاعل أبرز التوازنات الإقليمية والدولية الحاسمة في تجاذبات هذا الصراع.
وتعود جذور الصراع بين إيران وإسرائيل إلى بدايات الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، حيث تبنّى الخميني منذ بدايات ثورة الملالي خطابًا عدائيًا تجاه إسرائيل، واعتبرها "الكيان الصهيوني الغاصب"، وفق رؤيتهم الخاصة. ومنذ ذلك الحين، تطورت سياسات إيران الإقليمية لتصدير الثورة إلى الخارج وتعزيز نفوذها وبسط هيمنتها الفكرية والمذهبية على المنطقة، وخاصة باتجاه بعض العواصم والدول العربية، تتصدرها العراق والمملكة العربية السعودية والبحرين ولبنان والكويت واليمن، لكن من منطلق أجنداتها الخاصة.
وعلى الجانب الآخر، بدأت طهران في ثمانينيات القرن الماضي بدعم بعض الحركات المسلحة مثل حزب الله في لبنان كجزء من محور المقاومة الذي تقوده ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما في الشرق الأوسط. والأطر المنهجية لهذا الحزب تقوم على الأيديولوجية الخمينية وولاية الفقيه الإيراني. أما في السنوات الأخيرة، فقامت طهران بدعم حركة حماس في غزة، والحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، وهي قوى تُعَدّ مناهضة لإسرائيل.
وفي سياق مغاير، ترى تل أبيب في التمدد الإيراني تهديدًا وجوديًا خطيرًا، خصوصًا مع تطور نشاط البرنامج النووي الإيراني. وبهدف إضعاف البنية العسكرية الإيرانية دون التورط في حرب شاملة، شنّت إسرائيل، قبل الحرب الأخيرة ضد إيران وعلى مدى السنوات المنصرمة، عشرات الغارات الصاروخية المدمرة ضد أهداف إيرانية في سوريا، ضمن ما تسميه "معركة بين الحروب".
وفي الفترة الأخيرة، ونتيجة لتصاعد الضربات المتبادلة بين الطرفين، شهدت الساحة الفلسطينية واللبنانية واليمنية والعراقية والسورية ضربات عسكرية متبادلة، حيث اتُّهمت إسرائيل بقصف مواقع إيرانية وقوافل أسلحة تابعة لها، في حين تعهّدت طهران بردّ فعّال وفي لحظته، لتتطور أدوات الصراع وتشمل المجال السيبراني والبحري أيضًا. فقد تعرضت سفن إيرانية وإسرائيلية لهجمات غامضة في البحر الأحمر والخليج العربي، ما يدل على نقل المواجهة إلى مساحات غير تقليدية.
في حين كثّف حزب الله اللبناني من عملياته على الحدود الإسرائيلية في سياق ما يُعتبر ردًا على اغتيالات إسرائيلية طالت قيادات له في لبنان وسوريا في عهد نظام بشار الأسد. وهذا التصعيد يعزز احتمالية انخراط الحزب في أي حرب مقبلة إلى جانب إيران.
ومع فشل المفاوضات الدولية لإحياء الاتفاق النووي، وارتفاع نسب تخصيب اليورانيوم في إيران، ازدادت المخاوف الإسرائيلية، ما قد يدفعها مرة أخرى، وبمباركة أميركية وأوروبية، لتنفيذ ضربة استباقية مدمرة لمنع طهران من امتلاك السلاح النووي بكافة الوسائل المتاحة، ومهما بلغت التضحيات.
وما بين اندلاع حرب واسعة النطاق وسريعة التنفيذ تحرق المنطقة وتزعزع الأمن والاستقرار فيها، أو غارات محدودة وضربات صاروخية موجعة ضد أهداف حيوية جرى تشخيصها بدقة، تتجلى أمامنا عدة سيناريوهات محتملة. ويتمثل أحد السيناريوهات في توجيه إسرائيل ضربات مكثفة لمنشآت نووية أو عسكرية إيرانية، ترد عليها طهران عبر حلفائها الإقليميين، خاصة في العراق واليمن ولبنان، دون انخراط كامل ومباشر في الحرب.
وفي حال توسعت الردود المتبادلة بين الطرفين، قد تندلع حرب واسعة النطاق ومواجهة كاملة الأبعاد لتشمل لبنان واليمن والعراق، وربما سوريا، وذلك بمشاركة قوى دولية كبرى مثل بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، التي تعتبر شريكًا إستراتيجيًا لإسرائيل. وإذا تجاوزت العمليات العسكرية الخطوط الحمراء التي قد تهدد أمن الطاقة العالمي، فإن قوى دولية مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي قد تتدخل دبلوماسيًا في محاولة لاحتواء التصعيد.
وبالرغم من أن الولايات المتحدة تؤكد دائمًا التزامها بأمن إسرائيل، فإنها تبدو مترددة نوعًا ما في خوض حرب جديدة في الشرق الأوسط. أما روسيا، فتسعى دائمًا للحفاظ على نفوذها في سوريا وتوازن علاقاتها بين طهران وتل أبيب. بينما دول الخليج منقسمة على بعضها البعض، حيث تخشى بعض الدول من أنياب إيران، لكنها تتخوف أيضًا من تبعات حرب إقليمية قد تمتد إلى حدودها.
ويجب القول إن الصراع بين إيران وإسرائيل يحمل في طياته كل عناصر الانفجار: عقائديًا وسياسيًا وعسكريًا ونوويًا. ومع استمرار غياب تسوية دبلوماسية حقيقية حتى هذه اللحظة، تبقى الحرب احتمالًا قائمًا دون هوادة.
ومع ذلك، فإن جميع الأطراف تدرك أن اندلاع مواجهة شمولية كاسحة سيكلف الجميع كثيرًا، ما يجعل سيناريو "حافة الهاوية" هو الأكثر ترجيحًا حتى إشعار قريب.
أما العراق ومعه إقليم كردستان، فسيكونان في وضع حساس للغاية إذا اندلعت الحرب بين إيران وإسرائيل، وذلك بسبب عدة عوامل جغرافية وسياسية وأمنية واقتصادية. ففي الوقت الحالي (باستثناء كردستان)، يُعتبر العراق من الناحية السياسية ساحة نفوذ إيرانية، خاصة من خلال الميليشيات المرتبطة بالحشد الشعبي، التي قد تشارك في الحرب بشكل مباشر أو غير مباشر عبر ضرب المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية في المنطقة، وهذا قد يعرض العراق لهجمات انتقامية إسرائيلية أو أمريكية.
وفي هذه الحالة، فمن المحتمل أن تُستخدم أراضي العراق لإطلاق صواريخ أو طائرات مسيّرة ضد أهداف إسرائيلية أو أميركية، ما يجعل بعض المناطق داخل العراق هدفًا للرد العسكري المباشر.
وقد تستهدف إسرائيل مواقع ومخازن أسلحة أو قواعد عسكرية تابعة لميليشيات موالية لإيران داخل العمق العراقي، مما يؤثر على تصعيد الحرب وقد يعيد إشعال العنف الطائفي أو يجعل مناخ البلاد هشًا أمنيًا، خاصة مع احتمالية انقسام المواقف بين القوى الشيعية والسنية والكردية، مع احتمالية قيام داعش أو جماعات أخرى متطرفة باستغلال هذا الفراغ والضعف الأمني.
أما من الناحية الاقتصادية، فإن أي حرب كبرى ستؤثر على أسعار النفط عالميًا وقد تتسبب في تعطيل الإنتاج أو التصدير عبر العراق، خاصة إذا تم استهداف خطوط أنابيب النفط أو الموانئ، مما يسبب حالة من اللااستقرار السياسي والاقتصادي نتيجة العقوبات أو التوتر القائم في المنطقة.
أما بخصوص إقليم كردستان، فقد تتهمه طهران مرة أخرى بالتعاون مع الجانب الإسرائيلي كما فعلت سابقًا، أو مع الولايات المتحدة، خاصة مع وجود قنصليات ومكاتب أجنبية في الإقليم باعتباره إقليمًا فدراليًا مثبتًا في الدستور العراقي. وفي حالة اندلاع الحرب، قد تتعرض مناطق في الإقليم لضربات صاروخية، مثلما حدث سابقًا (استهداف أربيل من قبل إيران في عامي 2022 و2024 بحجة وجود مقرات للموساد الإسرائيلي).
وفي حال قيام طهران بتهديد الاستقرار في الإقليم، فإن هذه الخلخلة قد تؤثر بشكل سلبي ومؤقت على الجانب الاقتصادي والاستثمارات الأجنبية داخل الإقليم، خصوصًا في قطاع الطاقة. وقد يُستخدم هذا النزاع ذريعة من قبل بعض الأطراف الداخلية والخارجية لتعزيز النفوذ الأمني أو السياسي داخل الإقليم.
وهناك احتمال قوي لتصاعد الخلافات السياسية بين أربيل وبغداد في المرحلة القادمة، وذلك إذا شنت ميليشيات الحشد الشعبي هجمات صاروخية أو أطلقت مسيّرات ضد منشآت حيوية أو عسكرية داخل الإقليم، مما قد يؤدي إلى استخدام الإقليم كقاعدة للرد المناسب ولشن ضربات صاروخية ضد ميليشيات الحشد الشعبي من قبل قوات التحالف والقوات الأميركية، خاصة بعد انسحاب الجيش الأميركي بشكل كامل من قاعدة عين الأسد الجوية في محافظة الأنبار ومطار بغداد الدولي ومقر قيادة العمليات المشتركة، متجهًا نحو أربيل وإقليم كردستان، وخاصة تموضعهم في قاعدة أربيل. وقد تحرج هذه الخطوة حكومة بغداد (الداعمة للنفوذ الإيراني) أمام حكومة طهران وتدفعها لتبني مواقف متشددة سياسيًا واقتصاديًا حيال حكومة أربيل، كما تفعل الآن وربما بشكل أشد صرامة وأكثر قسوة وتطرفًا في المرحلة القادمة.
واستنادًا إلى المعطيات والمستجدات الميدانية بحسب الوضع القائم، فمن المتوقع ألا تسمح حكومة إقليم كردستان بأن تتحول مدن الإقليم إلى ثكنات عسكرية أو مصدرًا لتهديد الجوار، أو قاعدة لتوجيه وتبادل الضربات العسكرية ضد الأطراف الداخلة في الحرب، بمعنى أن تحافظ كردستان على أمنها واستقرارها بكل الأثمان، وألا يشكل الإقليم تهديدًا لأي طرف كان داخل المعادلة أو خارجها.
وهنا، فمن المفيد القول أيضًا إنه إذا توسعت رقعة الحرب إلى الداخل العراقي، فقد يزداد عدد النازحين المتوجهين نحو إقليم كردستان، مما يخلق ضغطًا إنسانيًا وخدميًا مضاعفًا على حكومة الإقليم.
وأخيرًا، لم يبق لنا إلا القول: إن الحرب القادمة لن تعلن عن نفسها بدويّ المدافع، بل ستتسلل كظلٍّ طويل في مساء الخوف، وستمشي على أطراف السياسة وتبتسم في وجه الدبلوماسية، لكنها ستخفي خلف ظهرها سكينًا من نار. ولن تبدأ الحرب القادمة بصيحة جندي، بل بسكوت العالم. ستكون حربًا بلا خنادق، ولكن بآلاف الواجهات. حربًا لا تُسفك فيها الدماء فقط، بل يُستبدل فيها الإنسان بالآلات، والضمائر بالشفرات القاطعة.