ضجيج الفساد لا يزعج الحكومة المصرية

القبول بوزراء حولهم شبهات فساد يشي أن الفساد ظاهرة عالمية وإن اختلفت مسمياته.

القاهرة- دخلت تعديلات على تركيبة الحكومة المصرية قبل أيام قليلة. صاحب التعديلات قدرا واسعا من الضجيج في الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي لوجود اتهامات بقضايا فساد تمس سمعة وزيرتين في الحكومة. الأولى وزيرة الثقافة جيهان زكي وصدر بحقها حكم قضائي بسبب سرقة جزء كبير من محتوى كتاب (اغتيال قوت القلوب) من تأليف الصحفية سهير عبدالحميد. والثانية وزيرة الإسكان راندة المنشاوي وقامت برد مبلغ مالي كبير للدولة للتصالح في إحدى قضايا الفساد.

حاول وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان في أول تصريحاته يوم الخميس، بعد توليه رسميا مهام منصبه الجديد، تبرئة السيدتين، بحجة أن وزيرة الثقافة لا تزال قضيتها منظورة أمام محكمة النقض. ووزيرة الإسكان تصالحت وأغلقت قضيتها.

لم يسلم ضياء رشوان من سيل الانتقادات التي وجهت إليه بسبب تفسيره لتبرئة الوزيرتين. وكثيرون وصفوا بدايته بـ"غير الموفقة" مع أنه بدا متواضعا في مؤتمره الصحفي الأول، وأظهر حرصا على التعاون مع جميع الزملاء الصحفيين، حيث كان نقيبا لهم في ثلاث دورات سابقة، ومعروف بعلاقاته الطيبة بالوسط الإعلامي.

كشف وزير الدولة للإعلام عن جانب من ملامح دوره في هذا المؤتمر، وأبرزها أنه سيقوم بدور "عرّاب" الحكومة، مفسرا لقراراتها وإجراءاتها، ومبررا لتوجهاتها، وسيكون قناة أو حلقة وصل بين الوزراء والصحافة، من أجل توصيل الرؤية الصحيحة إلى الرأي العام واستعادة ثقته في الحكومة والإعلام الرسمي.

بعيدا عن تداخل مهمة وزير الدولة للإعلام مع مهام المتحدثين بإسم الحكومة والوزارات المختلفة التي تعمل منذ فترة بشكل تقليدي، فرشوان سيتم التعامل معه فعليا كمتحدث بإسم الحكومة وجميع الوزارات عند اللزوم، ما يضغط على دوره الرئيسي الخاص بتوفير مساحة كبيرة لحرية الإعلام. واحتمال الحد من مسؤوليته المتعلقة بمساعدته في إخراج الإعلام من شرنقة تكبله منذ سنوات للقيام بدور إيجابي.

لعب ضياء رشوان دورا مهما في توصيل الرؤية السياسية للدولة في عدد من القضايا الخارجية، في مقدمتها الحرب على قطاع غزة، عندما شغل منصب رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، التابعة لرئاسة الجمهورية، ونجح في الرد على كثير من النقاط التي أثارها الإعلام الأجنبي.

وهو دور يختلف عن دوره عقب توليه منصب وزير دولة للإعلام. ومهام الأخيرة أوسع وأشمل وأكثر حساسية وأهمية. ويتطلب الاشتباك مع الإعلام الداخلي والخارجي معا. وحل الكثير من المشكلات التي يواجهها الإعلام المصري تحديدا، وفض الاشتباك بين مهامه الحقيقية ومهام الهيئات الإعلام الموازية، وهي: المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام.

ويحتاج أن يكون متسلحا بالمعلومات الدقيقة وتقديمها للإعلام. وفي أول اختبار له عند الرد على ما تردد من لغط حول سيرة وزيرتي الثقافة والإسكان، لم يكن موفقا، وأثار شكوكا حول نجاحه في تبييض وجه الحكومة بصورة موضوعية.

وبدا رشوان مدافعا عن الوزيرتين على غير الحقيقة التي يعلمها الناس. فالإشارة إلى أن قضية وزيرة الثقافة في حوزة محكمة النقض لا يلغي حكم الإدانة الصادر من محكمة أخرى. إذ تنظر محكمة النقض في مدى مواءمة الحكم السابق الذي أثبت تهمة السرقة على الوزيرة لصحيح القانون المصري ومدى الالتزام به بدقة. وإذا وجدت عوارا في تطبيقه، دون النظر إلى الموضوع، تطلب إعادة المحاكمة من البداية.

في هذه الحالة يمكن أن يصدر حكم بالإدانة أو البراءة أيضا. وسوف تظل وزيرة الثقافة يلاحقها الاتهام إلى حين إغلاق ملف القضية تماما وتثبت براءتها. وهو ما يخل بطبيعة مهامها كوزيرة للثقافة. ويرخي بشكوك على طبيعة دورها. فمن المفترض أن تكون مدافعة بشفافية عن الثقافة وليس محل شبهات بأي فساد.

قد يكون الوضع مختلفا بالنسبة لوزيرة الإسكان، لأنها تصالحت فعلا. وهذا لا يعني حصولها على صك بالبراءة. فالتصالح المالي يغلق الباب أمام استمرار درجات التقاضي. وطالما سلكت هذا الطريق فهي خشيت إدانة ما في أي لحظة.

ما يشير إلى أن تهمة الفساد سقطت قانونا ولم تسقط مجتمعيا. وستبقى الحكومة الجديدة ملاحقة بلعنة الفساد في كل لحظة. ويزداد الحرج إذا وقعت الوزيرتان أو إحداهما في خطأ. ويصبح هذا الملف سيفا مسلّطا على رقبة حكومة قبلت وجود أعضاء فيها دارت حولهم شبهات فساد. وتلقت تحذيرات مسبقة وعاندت في التمسك بخياراتها.

يشبه الموقف من وزيرتي الثقافة والإسكان نظيرهما وزير التربية والتعليم محمد عبداللطيف، والذي انضم إلى التشكيل الوزاري السابق ولا زال عضوا في الحكومة الحالية. حيث اتهم بعدم الحصول على شهادة جامعية. وأن لقب دكتور الذي سبق اسمه عند تعيينه في منصبه خاطيء، لأنه لم يحصل على درجة علمية تخول له استخدامه.

وحدثت وقتها ضجة في الإعلام المصري ولم تهتم الحكومة بالتوضيح والتفسير وتقديم معلومات دقيقة بشأنه. وبات وزير التعليم يوصف بـ"الوزير المزور" في الحكومة، التي لا تعبأ كثيرا بما يوجه إلى أعضائها من اتهامات تتعلق بالفساد.

تؤكد استهانة الحكومة بالضجيج حول عدد من أعضائها أنها لا تعبأ بما يدور خارجها، وأن رئيسها مصطفى مدبولي مصمم على عدم الالتفات للشبهات والاتهامات وأحكام القضاء. ويسعى نحو الإيحاء بأن اختياراته والأجهزة المعاونة كلها صحيحة، وقطع الطريق على أي محاولات للتشكيك في تصورات الحكومة وما تتخذه من إجراءات.

فإذا قبل مراجعة لأي إسم وزير وألغى تكليفه سيكون مضطرا للقبول باعتراضات في تصرفات حيوية قامت بها الحكومة. والهدف من عدم الاستجابة، ولو بالحق، منع تشجيع الإعلام ليكون رقيبا على حكومة اعتادت في غالبية توجهاتها عدم التراجع.

الحالة الوحيدة التي يمكن أن يصبح فيها الضجيج مزعجا هو أن يضبط أحد أعضاء الحكومة متلبسا بالخطيئة بعد تسلمه مهام منصبه. وأي جريمة فساد ارتكبت أو اتهامات حدثت وجرى الترويج لها على نطاق واسع لن يعتد بها كثيرا، ليس لأنها سابقة على الوظيفة، بل لأنها أحد مسوغاتها الخفية. وفي الوجدان العام للمصريين كلما كان "المسؤول فاسدا" سهلت السيطرة عليه. وهي سردية تؤكدها الحكومة عندما لا تعيد النظر في الشكوك الرائجة حول عضو فيها أو أكثر.

يقول خبراء في أي دولة في العالم هناك مسؤولون فاسدون وصالحون. وهناك مسؤولون أكبر يرتاحون لتوزير النوع الأول من باب سهولة تشغيلهم وإجبارهم على تنفيذ التعليمات سريعا. وظهرت تجليات ذلك في وثائق رجل الأعمال الأميركي جيفري ايبستين، التي جاءت مليئة بأسماء شخصيات عالمية. عدد كبير منهم من الوزراء والمسؤولين في بلدانهم. ربما تكون مصر بعيدة عن هذه الحالة البغيضة. لكن القبول بوزراء حولهم شبهات فساد يشي أن الفساد ظاهرة عالمية وإن اختلفت مسمياته.