وجبة درامية متنوعة ينتظرها المصريون في رمضان

القضية الفلسطينية تواصل حضورها في الدراما المصرية للعام الثاني لتثبيت السردية العربية في الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني.

القاهرة - اعتاد المصريون على متابعة الدراما طوال شهر رمضان. وبات هذا الشهر مرتبطا بتقديم وجبة فنية دسمة، تشمل العديد من المسلسلات التي تتناول قضايا مختلفة. وجذبت الإعلانات التي تقدمها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية (المنتجة الرئيسية في مصر) المنتشرة في كثير من الشوارع أنظار كثيرين، ووجد البعض فيها تنوعا، مع منح بعض النجوم الصاعدين أدوار البطولة، والحفاظ على عدد من الفنانين اللامعين الذين اعتاد الجمهور رؤيتهم في دراما رمضان.

تشمل صفة التنوع القضايا الإنسانية والاجتماعية والسياسية والأمنية. ما يعني أن الهدف جذب المشاهدين من خلال بث أعمال تستطيع إقناعهم برؤيتها وعدم الانصراف عنها، واستيعاب الدروس والرسائل التي تحملها. فمن يريد متابعة العلاقات داخل الأسرة المصرية وما حولها من تفاعلات عليه مشاهدة مسلسل "أب ولكن" بطولة محمد فراج وركين سعد، وما يحويه من مفارقات ومشاحنات حياتية.

حافظ الفنان أحمد العوضي على شخصية البطل الشعبي، مفتول العضلات وصاحب القوة والشهامة والجدعنة ومنصف الغلابة في مسلسله الجديد "علي كلاي"، وجاء عقب مسلسل العوضي العام الماضي (فهد البطل) الذي كان يتم الاحتفاء بمشاهدته أحيانا على بعض المقاهي الشعبية في مصر.

ينافس العوضي بشكل غير مباشر الفنان محمد عادل إمام، ويقدم مسلسل "الكينج" اتساقا مع أعمال سابقة تميل إلى ترسيخ صورة البطل البسيط في الوجدان الشعبي، وأبرزها "لمعي القط". وفي "الكينج" يأخذ محمد إمام منحى عالمي، من خلال انخراطه في عصابة دولية، ويقوم بالنصب عليها، مع اضفاء صبغة فكاهية، اعتاد إمام على تقديمها بصورة تلقائية، وتنطلق في معظمها من كوميديا الموقف.

مفارقات ومشاحنات حياتية
مفارقات ومشاحنات حياتية

في سياق أسطورة البطل الشعبي أيضا، يقدم الفنان أحمد أمين الجزء الثاني من مسلسل "النص" بعنوان "النص التاني"، من زاوية أخرى بعد نجاح الجزء الأول، لما حواه من حكي متشعب اجتماعيا وسياسيا حول السيرة الذاتية لأحد النشالين، الذين احترفوا السرقة، وأجادوا فنونها بطريقة مبتكرة. ومع أن العمل يتناول قصة أحدهم في أربعينييات القرن الماضي بمصر، إلا أن أحداثه الشيقة تشعر الجمهور وكأنه يعيشها اليوم، لأنها اعتمدت على قصة حقيقية مليئة بالمفاجآت الإنسانية.

من المنتظر أن يكون مسلسل "رأس الأفعى" بطولة أمير كرارة وشريف منير الأكثر مشاهدة. ويحكي قصة أحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين (محمود عزت) الذي ألقت الأجهزة الأمنية القبض عليه بعد مطاردات استمرت نحو عشر سنوات. ويقبع الآن في أحد السجون. ووجد العمل هجوما من اللجان الإلكترونية التابعة للإخوان على مواقع التواصل الاجتماعي لمحاولة تشويه مضمونه قبل عرضه، والتشكيك في الرواية التي يسردها، لأنها تغوص في عمق تصورات وتصرفات الإخوان.

قصة حقيقية مليئة بالمفاجآت الإنسانية
قصة حقيقية مليئة بالمفاجآت الإنسانية

ويأتي هذا العمل مكملا لمسلسلات أخرى تطرقت إلى حيل وألاعيب جماعة الإخوان في مصر، مثل "كلبش" و"الاختيار" و"هجمة مرتدة"، وسبقهم مسلسل "الجماعة" للمؤلف الراحل وحيد حامد. والهدف من "رأس الأفعى" توعية الشباب بما كان يحيكه الإخوان للبلاد، والسعي لكشف مخططاتهم الخفية والرامية إلى تخريب مؤسسات الدولة المصرية، وإلقاء الضوء على علاقاتهم بجهات تشاركهم بعض أهدافهم.

وتمثل عودة الفنانة هند صبري هذا العام عبر مسلسل "منّاعة" إضافة فنية للدراما المصرية، حيث غابت في السنوات الماضية عن درما رمضان. وفي هذا العمل تقدم قصة حقيقية لفتاة شعبية في حي الباطنية بوسط القاهرة، جرت وقائعها في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. وترصد رحلة سيدة تنتقل من كونها زوجة بسيطة إلى شخصية نافذة في المجتمع ولها علاقات واسعة. وتنجح في مواجهة مشاكلها عبر مناعة نفسية كبيرة في داخلها، تمكنها من مواجهة التحديات بصلابة.

توعية للشباب
توعية للشباب

وفسر بعض النقاد الخلاف الذي نشب بين هند صبري والفنانة المصرية مها نصار (طليقة مخرج المسلسل حسين المنباوي)، على أنه نوع من الإثارة والتشويق الدرامي، بهدف جذب أنظار الجمهور مبكرا ومتابعة العمل وسط منافسة شديدة. لكن تصاعد حدة التراشقات على مواقع التواصل الاجتماعي قد تبعد الجمهور عنه وترسخ قناعات بوجود خلافات حقيقية بينهما، ما يشير إلى إمكانية الإنصراف عنه، وأن التلاسن الذي ظهرت معالمه على السوشيال ميديا جزء من الحقيقة وليس حيلة ترويجية للمسلسل.

وحافظ الفنان مصطفى شعبان في مسلسله الجديد "درش" على الثيمة أو الخلطة الفنية التي أجادها في سنوات ماضية، وتتعلق بدور "كازانوفا" سواء أكان شعبيا أم عصريا. وتتراوح بين دور المصلح الاجتماعي، والأب الحنون، والزوج متعدد العلاقات النسائية. وشهدت أعماله التي قدمت في مواسم رمضان السابقة تنوعا في الأدوار، غير أنها حافظت على النسق الاجتماعي المحبب إليه.

وفي مسلسل "درش" يقوم شعبان بدور عامل عطارة يعود إلى محل سكنه في منطقة شعبية بعد غياب طويل ويتعرض لحادث يفقده الذاكرة. وتم نسج الكثير من الحكايات الناجمة عن الحادث وما ينجم عن فقدان الذاكرة من مفارقات، وما يتبعها من تطورات درامية تتواءم مع طبيعة شخصية مصطفى شعبان المرحة.

رحلة سيدة
رحلة سيدة

ويحسد بعض النقاد الفنان حمادة هلال على صبره وحرصه على تقديم مسلسل "المداح" للعام السادس على التوالي. ويسمى الجزء الجديد "أسطورة النهاية" ما يعني أنه الجزء الأخير في هذه السلسلة. ويعرض حالة صابر المداح بعد تجرده من قدراته الخارقة احتراما لمن يحب. ويواجه عوالم خفية أو سفلية لاسترداد قوته والتخلص من ملامح الشر التي تفشت بين الناس، في إشارة إلى قصص المخلص والمنقذ التقليدية.

ومع أن هذا العمل مليء بالسرديات المخيفة، إلا أنه نجح في الحفاظ على متابعة شريحة كبيرة من الجمهور في الأعوام الماضية، ما يؤكد أن هذه النوعية لها مشاهدين في مصر، على عكس بعض التقديرات التي مالت إلى وجود نفير منها، وحظ أكبر للمسلسلات التي تتطرق إلى قضايا اجتماعية واقعية، البعيدة عن التخيلات وما تصطحبه معها من حكايات تدور حول تحكم الجن والعفاريت في تصرفات البشر.

الموسم الأخير
الموسم الأخير

وتواصل القضية الفلسطينية حضورها في الدراما المصرية للعام الثاني على التوالي لتثبيت السردية العربية في الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني وسط محاولات عديدة من قبل إسرائيل لإنكارها ودفنها. فبعد عرض مسلسل "مليحة" العام الماضي، يتعاون المخرج بيتر ميمي مع الفنان إياد نصار ومنة شلبي لتقديم مسلسل "صحاب الأرض"، والذي يحوي معالجة تؤكد مركزية الدور المصري.

ويستطيع المشاهد استشفاف قصة العمل من نظرة واحدة على عنوانه، التي تنبع من حرص الحكومة المصرية على عدم تذويب القضية في خضم أحداث سياسية وعسكرية متلاحقة. والهدف هو عدم مغادرتها للذاكرة والوجدان المصري والعربي بشكل عام، لأن التهديدات التي يتعرض لها الفلسطينيون في قطاع غزة والضفة الغربية خطيرة للغاية، ويمكن أن تهوي بأي حقوق معروفة للشعب الفلسطيني.    

ترسيخ صورة البطل البسيط في الوجدان الشعبي
ترسيخ صورة البطل البسيط في الوجدان الشعبي

وتشير البانوراما الفنية والموزاييك الدرامي الذي سيعرض طوال شهر رمضان إلى وجود حرص لدى الحكومة المصرية على عدم التفريط في القوة الناعمة التي تملكها الدولة، وفي مقدمتها الدراما الرمضانية، بعد أن رسخت أقدامها السنوات الماضية في العقل الجمعي لدى شريحة كبيرة من الجمهور العربي. وتؤكد أن هناك محاولات لضبط الدفة الفنية، وعدم ترك الأمر للصدفة، وإنقاذ الدراما المصرية من السقوط.

وفي ظل منافسات جديدة مختلفة بدأت تظهر في مواسم رمضان المنصرمة، تعمدت الحكومة المصرية ضخ دماء جديدة من القصص في شرايين الدراما هذا العام. حيث اتسع نطاق إنتاج أعمال خليجية. وأخذت سوريا تسترد أنفاسها الفنية. وزاد الاهتمام التركي بالدراما، وتضاعفت أعمال الترجمة من مسلسلات الأجنبية واللجوء إلى الدبلجة بغرض توصيل رسائلها بسهولة للجمهور العربي.