'ضد أمازون' كتاب يدافع عن إنسانية القراءة والكتاب الورقي

خورخي كاريون يكتب بلغة تجمع بين الغضب الأخلاقي والحنين الثقافي، بين صوت المفكر والرحالة والقارئ الذي يرى في الكتاب كائنًا حيًّا، لا سلعة تُختزل في نقرة شراء على شاشة الكمبيوتر.

يظن من يطالع عنوان كتاب "ضد أمازون: لماذا يكره بائعو الكتب أمازون؟" للكاتب الإسباني خورخي كاريون، بترجمة شرقاوي حافظ، والصادر عن دار العربي للنشر، أنه أمام بيان ثقافي موجه ضد شركة عملاقة في مجال التجارة الإلكترونية، لكن بمجرد القراءة يكتشف أنه تأمل إنساني عميق في مصير الكتاب، والمكتبة، والقراءة، في زمن تحوّلت فيه الثقافة إلى سلعة، والكاتب إلى مُنتِج، والقارئ إلى بيانات رقمية تُحلَّل وتُوجَّه وفق خوارزميات السوق.

يكتب كاريون بلغة تجمع بين الغضب الأخلاقي والحنين الثقافي، بين صوت المفكر والرحالة والقارئ الذي يرى في الكتاب كائنًا حيًّا، لا سلعة تُقاس بالسرعة أو تُختزل في نقرة شراء على شاشة الكمبيوتر. في مقدمته للكتاب، يستعيد قصة ولادة كتيّبه الأول الذي كان بعنوان "سبعة أسباب ضد أمازون"، الذي نُشر على الإنترنت عام 2017 وتحول إلى ظاهرة رمزية، بعد أن أعيد نشره وترجمته وتوزيعه في مئات المكتبات حول العالم. يقول "منذ تلك اللحظة، فإنك عندما تبحث على الإنترنت وتكتب "ضد أمازون"، فلن يظهر لك مقالي فقط... لقد تزامن ذلك مع انتشار موزعي أمازون الذين يتجولون في شوارعنا وعلى ظهورهم حقائب كبيرة عليها شعار أمازون". هذه العبارة ليست مجرد ملاحظة ساخرة، بل إعلان ثقافي عن لحظة الوعي بالخطر: لقد غزت الشركة المدن والفضاءات، حتى باتت رمزًا لعصرٍ جديد يلتهم تفاصيل الحياة ويحوّلها إلى نظام واحد من الطاعة الرقمية.

ويرى "يبدو أنه من المستحيل الكتابة عمَّن يحتل الصدارة في عالم الكتب في القرن الحادي والعشرين دون اعتبار أمازون خصمًا له". بهذا الوعي، ينطلق في نصه الطويل ليكتب دفاعًا عن الكتاب الورقي، وعن التجربة الإنسانية في القراءة، ضد منطق الاحتكار، والسرعة، والتجسس، والتسليع.

ويلفت كاريون إلى أن ما تفعله أمازون ليس مجرد نشاط تجاري، بل مصادرة رمزية لجوهر الثقافة نفسها. فهي، كما يصفها، ليست مكتبة بل هايبر ماركت يضع الكتب إلى جوار المقرمشات والسلع المنزلية. ويتابع "لن أملّ من تكرار أن أمازون ليست بمكتبة، بل هايبر ماركت حيث تجد الكتب بجوار الألعاب والزلاجات".

إن كاريون يأسف لتحويل الكتاب إلى سلعة سريعة التداول، ولتحويل فضاء القراءة إلى متجر بلا روح، حيث لا شيء يذكّر بالرحلة التي يخوضها القارئ في بحثه عن الكتاب، أو بالحوار بين البائع والعميل، أو بالرائحة العتيقة للورق.

يكتب متحسرًا على مكتبات برشلونة القديمة التي أُغلقت لتحل محلها فروع لماركات الملابس والمطاعم، "أصبحت المصادرة والإحلال أمرًا فعليًّا ورمزيًّا كذلك". ويكشف في مواضع عدة عن كيف غيّرت أمازون العلاقة بين القارئ والكتاب، إذ جعلت القراءة فعلًا آليًّا بلا روح، بينما كانت يومًا ما طقسًا مقدسًا. فالآلة، كما يقول، حوّلت القارئ إلى رقم، والعامل إلى نصف آلي، والنص إلى مادة قابلة للتتبع.

ويقول "كلنا نعتمد على طرف صناعي؛ التليفون المحمول، كلنا أنصاف آليين؛ كثير من الآدمية، وقليل من الآلية، ولكننا لا نريد أن نكون آليين".. هكذا يصف كاريون حالة الإنسان في زمن ما بعد أمازون: بشر يتحركون بفاعلية روبوتية، يخضعون لإيقاع الخوارزميات، ويُقادون بوهم الحرية الرقمية، بينما يُنتزع منهم جوهر التجربة الإنسانية البسيطة.

ويستطرد إنّ أمازون تروّج لنفسها بوصفها منبرًا لحرية النشر، لكنها في الحقيقة تمارس رقابة ناعمة أكثر خطورة. فهي تتيح بيع كتب تدافع عن النازية أو تبرر البيدوفيليا، بينما تهمّش كتبًا لكُتّاب يخالفون مصالحها أو مصالح دور النشر المتحالفة معها. "تدافع أمازون عن حقها في إتاحة الكتب التي تشجع على البيدوفيليا أو الفكر النازي، بدعوى أنها ضد الرقابة. ومع ذلك فهي تطبق رقابة أخرى، خفية، حين يتعلق الأمر بما لا يخدم مصلحتها".. إنه نفاقٌ ثقافي، في رأيه، يُحيل الحرية إلى شعارٍ تجاري، ويجعل السوق هو الرقيب الأعلى على الفكر.

ويكشف كاريون أيضًا أن أمازون ليست شركة كتب بل إمبراطورية عالمية تبني "دولة موازية" بقوانينها الخاصة. إنها تقيم دولة عالمية موازية بقواعدها وبيروقراطيتها وشرطتها الخاصة... تمتلك جهاز مخابرات ومعامل فائقة السرية تابعة لها.. هي دولة لا تكتفي بالتحكم في السوق، بل في السلوك والمعرفة والتواصل. تمتلك خوارزميات لتوقع الرغبات، وتدير بيانات البشر كما لو كانت مادة خام لاستخراج الأرباح. إنها، في تعبيره الدقيق، (إمبراطورية وُلدت من مادة ثقافية هي الكتاب)، لكنها استخدمت قيمته لتبني أكبر هايبرماركت متخفٍّ خلف ستارة مكتبة.

أمازون
الإنسان في زمن ما بعد أمازون: بشر يتحركون بفاعلية روبوتية

ويصل كاريون إلى ذروة تأمله حين يتحدث عن التجسس الرقمي الذي تمارسه الشركة عبر أجهزة القراءة الإلكترونية. فالقارئ الذي يظن أنه يقرأ بحرية، يُراقَب في كل لحظة: متى فتح الكتاب، وأين توقف، وما الجملة التي أثارت إعجابه .."عندما تقرأ على جهازك، يكتشفون كل شيء عن عاداتك في القراءة. أما الكتاب المطبوع، فهو ملك لك وحدك".. بهذه العبارة يستعيد كاريون معنى الحرية، لا بوصفها موقفًا سياسيًّا، بل تجربة جسدية وروحية يعيشها القارئ مع الورق، مع العزلة والبطء واللمس.

وفي مواجهة منطق السرعة الذي تغرسه أمازون في العالم، يدافع كاريون عن البطء كقيمة ثقافية. يرى أن زمن البحث عن الكتاب في مكتبة، تصفحه، الانتظار حتى يصل، ثم اقتناؤه وتركه على الرف حتى يحين وقته، هو جزء من التجربة الجمالية للقراءة. ويضيف "إذا اشتريت من أمازون، فالتجربة هي نفسها كل مرة. أما في المكتبة، فلكل كتاب ذاكرة".

إن كاريون يدعو إلى إعادة الاعتبار إلى الرغبة الإنسانية في الاكتشاف، إلى تلك المتعة الصغيرة التي ترافق قارئًا وهو يعثر على كتاب نادر في زاوية مكتبة قديمة، أو يستمع إلى نصيحة بائع يعرف ما يحب زبائنه أن يقرؤوه.

لكن كاريون لا يتحدث ببراءة مثالية، فهو يدرك أنه يعيش في عالمٍ متشابك تحكمه الشركات الكبرى. لذا يعترف "أنا لست ساذجًا. أتابع مسلسلات من إنتاج أمازون، وأشتري بعض الكتب التي لا أجدها إلا عبر مواقعها، لكنني أحاول أن أقاوم بالمحافظة على طقوس صغيرة؛ الحديث مع بائعي الكتب، الذهاب إلى المكتبات المستقلة، تذكّر من أين اشتريت كل كتاب.. إنها مقاومة رمزية، لكنها أيضًا مقاومة للامّبالاة. فالكاتب لا يطالبنا بقطع علاقتنا بالعالم الرقمي، بل بأن نعيد التوازن المفقود بين الإنسان والآلة، بين المعرفة والتكنولوجيا، بين البطء والحياة السريعة.

ويمتد الكتاب إلى تأملات ثقافية وجغرافية أخرى، إذ يسافر المؤلف بين مكتبات العالم، من برشلونة إلى ميلبورن، ومن باريس إلى هلسنكي، باحثًا عن المعنى الإنساني للمكان الذي يحتضن الكتاب. حيث يرى إن المكتبة هي البشر، وليست الجدران. هي المكان الذي يمنح القراءة معناها الإنساني.

وفي عرضه للمكتبات المتنقلة في كولومبيا والهندوراس، يرى كاريون أن فعل القراءة هناك تحوّل إلى مقاومة للعنف والفقر، إذ يحمل المتطوعون الكتب على ظهور الحمير أو في قوارب صغيرة، ليصلوا بها إلى الأطفال في القرى النائية. يقول "القراءة والكتابة هما ما نسميه بالتمكين.. وجد الأطفال بديلًا للعنف والفشل في المدرسة، وصاروا يحلمون بالجامعة". بهذه القصص الواقعية يبرهن أن الكتاب ما زال قادرًا على إحداث تغيير فعلي، بعيدًا عن شاشات أمازون البراقة.

يربط كاريون بين هذه الرحلات الثقافية وتأملاته في الأدب العالمي، من بورخيس إلى إيان سينكلير، ليؤكد أن مصير الكتاب ليس مسألة اقتصادية فحسب، بل هو سؤال وجودي عن الإنسان ذاته. فالقراءة، كما يرى، هي الفعل الأخير الذي يذكّرنا بأننا أحياء، وأننا لسنا مجرد أرقام في قواعد بيانات.

وفي خلاصة تأملاته يؤكد "علينا أن نستمر في القراءة والسفر، وأن نكون دائمًا في حالة تأهب. أمازون ليست خصمًا تجاريًّا فحسب، بل خطر رمزي يهدد معنى أن نكون قرّاء".. بهذا الصوت المتأمل، يتحوّل كتاب "ضد أمازون" إلى مانيفستو ثقافي مفتوح يدافع عن إنسانية القراءة، وعن المكتبة كفضاء للذاكرة، وعن البطء كقيمة جمالية، وعن الورق كملمسٍ للمعرفة لا يمكن للآلة أن تنسخه. إنه ليس مجرد احتجاج على شركة بعينها، بل نداء لإنقاذ المعنى نفسه من بين أنياب الخوارزميات، واستعادة الكتاب من يد السوق إلى حضن الإنسان.