ظلال الشك على التعامل الدولي مع التهديد الإيراني
خلال الفترات الأخيرة، تحفل المواقف والتصريحات الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين بشأن سياساتهم المختلفة، وخصوصًا المتعلقة منها بالبرنامج النووي والمفاوضات مع الولايات المتحدة، بالتناقضات التي يبدو بعضها صارخًا، وهو في الحقيقة يعكس حالة الحيرة والقلق السائدة في إيران، بعد أن أدركت طهران أن هناك جدية دولية في التعامل مع إصرارها على عدم التجاوب مع المطالب المطروحة بشأن برنامجها النووي وتدخلاتها في المنطقة.
بيد أن ذلك لا يعني أن المواقف والتصريحات الدولية بشأن السياسات الإيرانية موحّدة ولا تخلو من التناقضات، بل إنها كذلك أيضًا، إذ تعكس اختلاف الرؤى بشأن الطريقة والأسلوب المطلوبين في التعامل مع السياسات الإيرانية ذات العلاقة ببرنامجها النووي وتدخلاتها في المنطقة.
غير أن هذه التناقضات، وبعد مجيء ترامب، لم تعد كما كانت في السابق، ولا سيّما الأوروبية منها، التي صارت تميل إلى التشدد لا إلى المرونة، وهو تطور لم يقلق طهران فحسب، بل أربكها أيضًا.
الأوروبيون، وتحديدًا دول الترويكا، صاروا يسعون إلى الاقتراب أكثر من واشنطن، بدلًا من التعويل على دعاة “الاعتدال” في إيران.
ولعل التصريح الأخير لوزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، عبّر عن ذلك بوضوح عندما قالت في حوار المنامة الأمني.
وأضافت أن هذا التهديد لم يعد مقتصرًا على الشرق الأوسط، قائلة "في المملكة المتحدة أيضًا، واجهنا تهديدات مدعومة من إيران في شوارعنا".
ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن وزير الخارجية الألماني، يوهان وادفول، أيد هذا الموقف البريطاني عندما أكد أن الترويكا الأوروبية تعمل معًا بشكل وثيق على الملف النووي الإيراني، وأنها "تأخذ التهديد النووي بجدية بالغة".
وأضاف وادفول "في جميع مفاوضاتنا مع النظام الإيراني، قمنا أيضًا بتضمين سلوك هذا النظام في المنطقة وبرنامجه الصاروخي، وسنستمر في القيام بذلك في المستقبل".
هذا الموقف المعبّر عن الترويكا الأوروبية، مع الأخذ في الاعتبار كونه يعكس رؤية صحيحة للدور الإيراني في المنطقة والعالم، يأتي بعد مدة طويلة من الانخداع والانبهار بمزاعم “الاعتدال والإصلاح” الإيرانية، والتصور بأنها ستؤثر على السياق العام للسياسات الإيرانية السلبية تجاه المنطقة والعالم وتحدث فيها تغييرًا.
لكن يبدو أن الأوروبيين فهموا، بعد وقت طويل، أن خامنئي استخدم مزاعم “الاعتدال والإصلاح” للمراوغة وكسب الوقت لخدمة النظام، بدليل أنه، وعندما أصبحت غير فعالة، أقصاها وحدّد دورها.
وبغضّ النظر عن البرنامج النووي المثير للقلق الإقليمي والدولي على حدّ سواء، فإن التهديد الإيراني القائم منذ 46 عامًا كان جديًا لكونه لا يضع أي اعتبار للحدود.
ولم تؤكد الوزيرة البريطانية وحدها على التهديد الإيراني طويل الأمد، بل إن توم باراك، المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا، اتفق معها في السياق نفسه عندما قال "النظام الإيراني وحرس النظام الإيراني يمثلان مشكلة للجميع، وليس فقط للشعب الإيراني".
إن اتفاق الرؤى بين الأوروبيين والولايات المتحدة حول التهديد الإيراني ليس كافيًا بحدّ ذاته، إذ إن الأهم من ذلك هو تفعيل هذه الرؤى وجعلها ملموسة على الأرض، بمعنى أن تصبح ذات طابع استراتيجي لا تكتيكي كما يحدث حتى الآن.
والتعامل الاستراتيجي لا يتجسد إلا بتغيير النظام القائم في طهران، وهو الأمر الذي لا يبدو أنهم يفكرون فيه بجدية حتى الآن، مما يلقي بظلال من الشكوك على جدية التعامل الدولي مع التهديد الإيراني طويل الأمد للأمن في المنطقة والعالم.