على خطى النبي: من الاحتفال إلى صناعة الأمة
في كل عام، وفي ظلال المولد النبوي الشريف، نجد أنفسنا أمام سؤال مهم: كيف يمكن لذكرى ميلاد من جمع الشتات أن تعيد جمع ما تشتت من أمته؟ وكيف نتحول من الاحتفاء بالذكرى النبوية إلى استلهام الدروس من سيرته الشريفة؟
لقد جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى عالمٍ ممزق بالعصبيات الجاهلية: عصبية القبيلة، والعرق، والطبقة، ولكنه بدلًا من إلغاء هذه الاختلافات، سعى إلى تهذيبها وتوظيفها ضمن رؤية أكثر شمولية، وبنى للأمة إطارًا جامعًا يحوي التنوع ويحترمه. هذا هو الدرس النبوي الأول: الوحدة ليست إلغاءً للاختلاف، بل هي توافق داخل التنوع.
في الآية الكريمة: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا}، تبرز رؤية متكاملة لإدارة التنوع البشري. ووفقًا لنظرية "التعارف" للباحث السعودي زكي الميلاد، فإن التعارف القرآني ليس مجرد معرفة سطحية، بل هو عملية عميقة من التفاعل الإيجابي القائم على الاعتراف المتبادل والاحترام. وهذا هو الدرس الثاني: المعرفة الواعية سبيل إلى احترام التنوع الإنساني.
ويظهر من مفهوم "الدولة التعارفية" الذي طرحه الدكتور علي محمد أسعد، أهمية أن تكون الدولة إطارًا يحافظ على التعددية الدينية والمذهبية ضمن عقد اجتماعي قائم على المواطنة الكاملة والاعتراف بحق الاختلاف. هذه الفكرة تضيف بعدًا سياسيًا يحيلنا إلى ضرورة صياغة أنظمة وقوانين تضمن العيش المشترك، وتحوّل مبدأ "التعارف" من قيمة أخلاقية إلى قاعدة دستورية تُعالج النزاعات الراهنة، وهو الدرس الثالث من سيرة النبي.
وهنا أقترح، من باب التجربة، تبنّي مشروع "منصة الوحدة الافتراضية" التي تنطلق بمناسبة المولد النبوي الشريف، وهي منصة رقمية تفاعلية تجمع بين التقنية والمعنى، وتعمل على تطبيق نظرية التعارف عمليًا من خلال:
1- أرشيف حيّ للمشاريع الحضارية المشتركة بين المذاهب.
2- برامج حوارية تفاعلية مباشرة بين علماء من مختلف التوجهات.
3- مكتبة رقمية لتجارب التعايش الناجحة في التاريخ الإسلامي.
4- منصة لتبادل الزيارات والبرامج الثقافية بين المؤسسات الدينية.
ولكي تنجح المنصة، لا بد أن تركز على سرد تاريخ التعاون والإنجاز وإدارة التنوع الثقافي والديني، بدلًا من اجترار تاريخ النزاع والخصومة. فالهدف هو بناء وعي جديد لدى الأجيال الشابة مفاده أن الاختلاف لم يكن يومًا مصدر ضعف، بل كان على الدوام مصدر إثراء.
ومن هنا يمكن إطلاق مبادرة "أسبوع التبادل الثقافي بين المذاهب"، حيث ينتقل طلاب العلم والعلماء من منطقة إلى أخرى في "رحلات استكشاف"، لا للجدال الفقهي أو الخلاف العقائدي، وإنما للتعارف الإنساني الخالص، واكتشاف أن ما يجمعنا كمسلمين أوسع بكثير وأعمق من أي خلاف.
ويقول الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي "إن أعظم ما قدّمه الإسلام للحضارة هو أنه أقام لأول مرة في التاريخ مجتمعًا متعدد الأعراق والألوان، متحدًا تحت قيم". هذه الرؤية من فيلسوف غربي تذكّرنا بأن وحدة أمتنا ليست شأنًا داخليًا فحسب، بل هي رسالة قدوة للعالم أجمع في كيفية إدارة التنوع البشري.
إن أعظم إرث يتركه لنا المولد النبوي هو تجسيد القيم الإنسانية الصالحة لكل زمان ومكان: الرحمة، العدل، الأمانة، والإحسان. وهذه القيم تشكّل الأرضية الصلبة التي تلتقي عندها المذاهب، بل الإنسانية جمعاء. والمولد مناسبة لترجمة هذه القيم عمليًا عبر مشاريع خدمية وتطوعية مشتركة لخدمة المجتمع، فمهما اختلفنا، يبقى التعاون على البر والتقوى فريضة لا يسقطها الخلاف.