عندما يحلّ القارئ مكان الأعزب في 'المواعدة السريعة للكتب'
في إحدى الفعاليات الثقافية غير التقليدية بالكويت، جلس المشاركون وجهاً لوجه يحمل كل منهم كتابه المفضل، بينما يملك دقيقتين فقط لإقناع الشخص المقابل بقراءته؛ يشبه الأمر المواعدة السريعة، لكن بدلاً من الحديث عن النفس، يتحدث الجميع عن الكتب التي أحبّوها وتركت أثراً فيهم.
الفعالية التي تحمل اسم "المواعدة السريعة للكتب" أصبحت واحدة من أكثر الأنشطة شعبية داخل مجتمع القرّاء "نفس وورق"، وهو مجتمع ثقافي انطلق منذ عام، وتحديداً في يونيو/حزيران 2025، بفكرة مختلفة عن نوادي القراءة التقليدية؛ فلا توجد قائمة كتب إلزامية، ولا مواعيد صارمة لإنهاء القراءة، بل مساحة مفتوحة لكل شخص ليقرأ ما يحب ويشارك أفكاره مع الآخرين.
النادي هو الأول من نوعه في الوطن العربي؛ تقول مؤسسته مريم جمال، وهي فلسطينية تعيش بالكويت، إن الفكرة بدأت من رغبتها الشخصية في الحديث عن الكتب التي تقرؤها مع أشخاص يشاركونها الشغف نفسه دون أن تضطر لقراءة كتاب محدد فقط كي تكون جزءاً من نادي قراءة. أرادت مساحة يشعر فيها القارئ بالحرية، يقرأ بالوتيرة التي تناسبه ثم يلتقي مع آخرين يحبون القراءة حتى وإن كانت كتبهم مختلفة تماماً؛ ومن هنا وُلد "نفس وورق" الذي تحوّل مع الوقت إلى مجتمع قرّاء نشط في الكويت والأردن يجمع بين القراءة والأنشطة التفاعلية والاجتماعية.
وتقوم فكرة "المواعدة السريعة للكتب" فيه على منح كل مشارك وقتاً قصيراً للحديث بحماس عن كتابه المفضل في محاولة لإقناع الطرف الآخر بقراءته؛ وخلال دقائق قليلة ينتقل المشاركون بين طاولات متعددة ليخرج كل منهم بقائمة طويلة من الترشيحات الأدبية والانطباعات المختلفة. لكن الفعاليات لا تتوقف عند هذا الحد، إذ ينظم المجتمع أنشطة أخرى مستوحاة من عالم الكتب، مثل تصميم غلاف كتاب متخيَّل، حيث يتخيل المشاركون الكتاب الذي قد يكتبونه يوماً ما ويختارون عنوانه وشكل غلافه، إضافة إلى ورش تصميم علامات الكتب وتزيين الأغلفة بالكريستالات والألوان.
وما يميز هذه اللقاءات أن النقاش لا يدور حول كتاب واحد فقط، بل حول عشرات الكتب والأفكار والتجارب المختلفة؛ وبينما يقرأ كل شخص شيئاً مختلفاً، يكتشف المشاركون أحياناً تشابهاً في المشاعر أو الأسئلة التي تثيرها الكتب، وهو ما يخلق حالة من التواصل الإنساني تتجاوز مجرد القراءة.
قبل أن تصل هذه الفكرة إلى الكويت، كانت قصتها قد بدأت في مكان مختلف تماماً. في عام 1998، وفي مقهى صغير ببيفرلي هيلز بالولايات المتحدة، ابتكر الحاخام الأرثوذكسي يعقوب ديو، من مدينة لوس أنجلوس، طريقةً جديدة لمساعدة الشباب اليهودي العازب على التعرّف إلى بعضهم؛ أخرج أداة إصدار ضجيج تُستخدم في الأعياد اليهودية ليُعلن بها انتهاء كل موعد وانتقال المشاركين إلى الموعد التالي، وكان الوقت المحدد لكل موعد عشر دقائق لأنه الرقم الأسهل تطبيقياً في مكان مزدحم. لم يكن ديو يتخيّل أن هذا الإجراء العملي البسيط سيلهم ملايين الأشخاص حول العالم، وسيصل أثره ذات يوم إلى عالم الكتب والقراءة.
الفكرة في جوهرها مستوحاة من تقليد يهودي قديم يُعرف بـ "الشيدوخ"، وهو نظام تقليدي لمساعدة العزّاب على إيجاد شريك الحياة. وبحلول عام 2000، انتشرت كالنار في الهشيم لتصل إلى بريطانيا وأستراليا وسائر أنحاء العالم؛ كانت الفكرة في بساطتها عبقريةً لأنها تقوم على مبدأ واحد واضح، وهو منح الشخص وقتاً قصيراً مع كل موعد يكفي للتعرّف على ملامحه الأساسية، ثم الانتقال إلى التالي دون إحراج أو التزام.
لم يمرّ وقت طويل حتى لاحظ أمناء المكتبات المدرسية في الولايات المتحدة أن هذا المبدأ بالذات يمكن تطبيقه تماماً على علاقة القارئ بالكتاب؛ فكما يحتاج الإنسان لدقائق قليلة ليشعر بجاذبية شخص ما، يحتاج القارئ أيضاً لدقائق قليلة ليشعر بجاذبية كتاب ما.
ومن أوائل من وثّقوا التجربة أمينةُ المكتبة تيفاني وايتهيد، التي كانت تضع كتباً من سبعة أنواع أدبية مختلفة في صناديق على سبع طاولات وتطلب من الطلاب تقييم كل كتاب بنظام تصنيف من اختيارهم.
ما بدأ في المدارس لم يتوقف عندها؛ يُعرَّف النشاط بأنه يمنح القرّاء جولات متعددة مدة كل منها خمس دقائق لاستكشاف مجموعة من الكتب بأنواع متنوعة، وقد تبنّاه المعلمون وأمناء المكتبات على نطاق واسع حتى بات حدثاً ثابتاً في كثير من المدارس، وفي بعضها صارت هذه الجلسات تُعقد أربع مرات سنوياً، وقد لاحظ المعلمون أن الطلاب باتوا يقرؤون أكثر من أي وقت مضى رغم غياب الاختبارات الإلزامية على الكتب.
انتقلت الفكرة بعد ذلك إلى المكتبات العامة التي باتت تنظّم فعاليات "مواعدة سريعة مع الكتب" للبالغين، ثم ظهرت نسخة مبتكرة جديدة تُعرف بـ "المواعدة السريعة مع كتاب مجهول"، حيث تُلفّ الكتب بورق معتم ويُكتب عليها فقط تلميحات عن المحتوى، فيختار القارئ بناءً على الوصف لا على الغلاف؛ وهي من أكثر الأفكار جاذبية حالياً.
ومع جائحة كورونا، نجح أمناء المكتبات في نقل النشاط إلى منصة "زووم" بشكل كامل، مؤكدين أن تحفيز القرّاء على القراءة ظل ممكناً حتى عن بُعد.
هكذا أثبتت فكرة وُلدت في مقهى أمريكي لمساعدة العزّاب على إيجاد شريك الحياة أنها قادرة على مساعدة القرّاء في كل مكان على إيجاد كتابهم المفضّل، وهو ما أدركته مؤسسة "نفس وورق" حين أعادت تطبيق الفكرة بروح كويتية خاصة.