لماذا أصبحت مكتبة محمد بن راشد نموذجاً عربيا في عصر الذكاء الاصطناعي؟

المكتبات الحديثة لم تعد مجرد أماكن لحفظ الكتب، بل تحوّلت إلى مراكز معرفية وتفاعلية تهدف إلى تعزيز التفكير النقدي وبناء رأس المال البشري، موظفةً التكنولوجيا كأداة لخدمة الإنسان وليس كبديل عن دوره الإنساني.
رانيا عبدالعاطي
القاهرة

في كل مرة تظهر فيها تقنية جديدة تهز طرق إنتاج المعرفة وتداولها تتجدد المخاوف بشأن مصير الكتاب والمكتبات.

حدث ذلك مع ظهور التلفزيون ثم مع انتشار الإنترنت وعاد اليوم مع صعود الذكاء الاصطناعي الذي بات قادراً على تلخيص الكتب وكتابة المقالات والإجابة عن الأسئلة خلال ثوان.

وفي خضم هذا التحوّل المتسارع يطرح سؤال نفسه بإلحاح ما الذي يمكن أن تقدمه المكتبات في عصر أصبحت فيه المعرفة متاحة بضغطة زر.

الإجابة التي تقدمها تجارب عالمية عديدة تشير إلى أن المكتبات التي نجحت في البقاء لم تفعل ذلك عبر التمسك بوظائفها التقليدية بل من خلال إعادة تعريف دورها بالكامل، فلم تعد المكتبة مكاناً لحفظ الكتب فحسب بل أصبحت مؤسسة لصناعة المعرفة وتنمية المهارات وبناء المجتمعات، وفي هذا السياق تبرز مكتبة محمد بن راشد في دبي بوصفها واحدة من أكثر التجارب العربية اقتراباً من هذا النموذج العالمي الجديد.

طوال عقود، ارتبطت المكتبات في الوعي العام بالصمت والرفوف الطويلة والباحثين المنهمكين في القراءة وكانت وظيفتها الأساسية توفير الكتب والمراجع للدارسين والمهتمين. لكن الثورة الرقمية غيرت المعادلة بالكامل، فالمشكلة لم تعد في الوصول إلى المعلومات بل في فرزها وفهمها والتأكد من صحتها، وفي عالم تتدفق فيه ملايين البيانات يومياً أصبحت الحاجة أكبر إلى مؤسسات تساعد الأفراد على التعامل مع المعرفة لا مجرد الوصول إليها.

هذا التحوّل كان واضحاً في تجربة سنغافورة التي تعد اليوم واحدة من أكثر الدول استثماراً في المعرفة والابتكار، فمنذ تسعينيات القرن الماضي بدأت الحكومة السنغافورية إعادة هيكلة منظومة المكتبات العامة ضمن رؤية وطنية أوسع لبناء اقتصاد قائم على المعرفة، ولم تعد المكتبات هناك مجرد مرافق ثقافية بل تحوّلت إلى مراكز للتعلم المستمر والتدريب الرقمي وتنمية المهارات والابتكار المجتمعي ،وتعد مكتبة سنغافورة الوطنية مثالاً بارزاً على هذا التحول.

فالمؤسسة لا تكتفي بإتاحة الكتب وقواعد البيانات بل تستضيف برامج لتعليم المهارات الرقمية وورشاً حول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومبادرات تستهدف مختلف الفئات العمرية من الأطفال إلى كبار السن. والهدف ليس زيادة عدد القراء فقط بل إعداد مواطن قادر على التعامل مع اقتصاد المعرفة ومتطلبات المستقبل.

ورغم اختلاف السياقات بين سنغافورة والعالم العربي، فإن المثير للاهتمام أن مكتبة محمد بن راشد تتحرك في اتجاه مشابه إلى حد كبير، فالمكتبة التي تضم ملايين المصادر المعرفية المطبوعة والرقمية لا تطرح نفسها باعتبارها مخزناً للكتب وإنما باعتبارها منصة معرفية متكاملة تجمع بين الثقافة والتعليم والتكنولوجيا،ويتجلى ذلك في طبيعة الأنشطة التي تستضيفها.

فإلى جانب الندوات الأدبية والأمسيات الثقافية، تنظم المكتبة برامج تناقش الذكاء الاصطناعي والتحوّل الرقمي والابتكار وريادة الأعمال والمهارات المستقبلية في إشارة إلى إدراكها أن الثقافة المعاصرة لم تعد منفصلة عن التكنولوجيا وأن المؤسسة الثقافية مطالبة بالتفاعل مع الأسئلة الجديدة التي يفرضها العصر.

واللافت أن هذا التحوّل يأتي في لحظة تاريخية تشهد فيها المجتمعات العربية تحديات متزايدة تتعلق بالمعلومات المضللة والمحتوى غير الموثوق والاستقطاب الرقمي.

ففي الوقت الذي أصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج كميات هائلة من النصوص والصور والمحتوى خلال وقت قصير، تزداد أهمية المؤسسات القادرة على توفير المعرفة الموثوقة وتعزيز التفكير النقدي لدى الجمهور ،وهنا يبرز أحد الفروق الجوهرية بين مفهوم المكتبة التقليدية والمكتبة الحديثة.

فالأولى كانت تساعد القارئ على الوصول إلى المعلومة بينما تسعى الثانية إلى مساعدته على تقييم تلك المعلومة وفهم سياقها واستخدامها بصورة صحيحة.

وهذا تحديداً ما يجعل دور المكتبات أكثر أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي لا أقل أهمية. 

وهذا تحديداً ما يجعل تجربة مكتبة محمد بن راشد جديرة بالمتابعة بوصفها أحد النماذج العربية التي تحاول استشراف مستقبل الثقافة والمعرفة في المنطقة.

مكتبة محمد بن راشد
المعرفة في العصر الرقمي

كما أن تجربة مكتبة محمد بن راشد تعكس فهماً متقدماً للعلاقة بين التكنولوجيا والكتاب. فبدلاً من تقديمهما باعتبارهما طرفين متنافسين تعمل المكتبة على دمجهما داخل منظومة واحدة، فالمصادر الرقمية لا تحل محل الكتاب الورقي بل توسع نطاق الوصول إليه والتقنيات الحديثة لا تلغي القراءة بل تفتح أمامها مسارات جديدة.

وتبدو هذه الفلسفة قريبة من التجربة السنغافورية التي تعاملت مع الرقمنة باعتبارها وسيلة لتعزيز المعرفة لا لاستبدالها.

فعلى الرغم من التقدم التقني الكبير الذي حققته سنغافورة، ما تزال المكتبات العامة تشكل جزءاً محورياً من الحياة الثقافية والتعليمية فيها لأنها تقدم ما لا تستطيع التكنولوجيا وحدها تقديمه فضاءات للتفاعل الإنساني والتعلم المشترك والحوار المجتمعي.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الاهتمام الذي توليه مكتبة محمد بن راشد للأطفال واليافعين والعائلات، فالمؤسسة لا تكتفي بتوفير الكتب بل تنظم ورشاً وجلسات وأنشطة تهدف إلى بناء علاقة مستدامة بين الأجيال الجديدة والمعرفة.

وهي رؤية تنسجم مع الاتجاهات العالمية التي تنظر إلى المكتبات باعتبارها أدوات لبناء رأس المال البشري لا مجرد أماكن للقراءة، كما أن المكتبة تتحرك ضمن مفهوم بات يعرف عالمياً بالمساحة الثالثة أي المكان الذي يقع بين المنزل والعمل أو الدراسة ويمنح الأفراد فرصة للتعلم والتواصل والتفاعل الاجتماعي.

وقد أصبحت هذه الفلسفة جزءاً أساسياً من عمل كثير من المكتبات الحديثة حول العالم لأنها تعيد ربط المعرفة بالحياة اليومية وتحوّل المؤسسة الثقافية إلى جزء من النسيج المجتمعي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي تكتسب هذه الوظيفة أهمية مضاعفة.

فبينما تستطيع الخوارزميات توفير الإجابات تبقى الحاجة قائمة إلى النقاش والتأمل والتفكير النقدي وتبادل الخبرات الإنسانية، وهذه كلها وظائف يصعب اختزالها في تطبيق أو منصة رقمية وتظل المؤسسات الثقافية المؤهلة قادرة على أدائها.

ولا يتعلق الأمر في النهاية بمبنى معماري مميز أو بعدد الكتب المتوافرة على الرفوف بل برؤية متكاملة لموقع الثقافة في المستقبل فالتجارب العالمية الناجحة من سنغافورة إلى الدول الإسكندنافية وغيرها أثبتت أن المكتبات التي تستثمر في الإنسان وفي مهاراته وقدرته على التعلم المستمر هي الأقدر على الاستمرار والتأثير.

ومن هذا المنظور تبدو مكتبة محمد بن راشد أكثر من مجرد مشروع ثقافي إماراتي، إنها محاولة عربية لصياغة نموذج جديد للمكتبة في القرن الحادي والعشرين نموذج يجمع بين التراث والابتكار وبين الكتاب والتكنولوجيا وبين المعرفة الأكاديمية والحياة اليومية.

ولعل القيمة الحقيقية لهذه التجربة أنها تأتي في وقت يحتاج فيه العالم العربي إلى مؤسسات قادرة على إنتاج الثقة المعرفية وتعزيز التفكير النقدي وإعداد الأجيال الجديدة للتعامل مع عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.

ففي زمن الذكاء الاصطناعي لن يكون نجاح المكتبات مرهوناً بقدرتها على منافسة التكنولوجيا بل بقدرتها على توظيفها لخدمة الإنسان.