فن التأويل أهو القادم به على غير أهله أم إحسان النص الصنع بنفسه، ام خطوط أساسية لتأويلية فلسفية

كل قراءة هي مزيج من الوفاء والخيانة، ومعنى النصّ يولد في كل لحظة لقاء بينه وبين قارئه بما يعني ان الفهم فعل أخلاقي وسياسي ومسؤوليةً تُعيد وصل الميت بالحيّ والنصّ بزمنه الجديد.

مقدمة

منذ أن قال هيراقليطس "لا ينزل المرء النهر نفسه مرتين" ونحن نعرف أن الكلام لا يُقرأ مرتين بنفس الطريقة، وأن المعنى ليس جوهراً ثابتاً ينام في قلب النص، بل حدثاً يولد في كل لقاء بين نص وقارئ. لكن هذه الحقيقة البسيطة صارت، عبر القرون، ساحة حرب أيديولوجية وفلسفية عنيفة: هل التأويل عنف يُرتكب على النص؟ أم هو الطريق الوحيد لإنقاذه من موت التكرار الحرفي؟ هل المؤوِّل لصٌّ يسرق المعنى، أم طبيب يشفي النص من صمته؟

هذه الدراسة لا تريد أن تحسم النزاع، بل أن تقول "نعم" أو "لا"، بل أن تُظهر أن السؤال نفسه مشروط تاريخياً، وأن كل إجابة عنه تكشف أولاً عن الأنطولوجيا والأخلاق والسياسة التي يحملها المجيب. سنتتبع، بلا هوامش ولا جداول، حركة التأويل عبر ثلاثة أنساق كبرى، ثم نستخلص خطوط تأويلية فلسفية تحاول أن تكون أمينة للنص وخائنة له في آن.

التأويل المقدَّس: النص كنز مغلق والمؤوِّل كاهنٌ له مفتاح في التراث الديني اليهودي-المسيحي-الإسلامي

كان التأويل (ظاهر/باطن/تأويل/إشارة) هو الطريق الوحيد للحفاظ على قداسة النص وتجديد حيويته في الوقت نفسه. النص الإلهي لا يمكن أن يُقرأ حرفياً فقط، لأن ذلك يعرّضه للزمن وللنقصان العقول البشرية. إذن يجب أن يكون له باطن لا نهائي من المعاني، ويجب أن يكون هناك طبقة من الناس "الراسخون في العلم" الذين يملكون وحدهم حق الغوص فيه.

هنا التأويل ليس خيانة، بل هو الوفاء الأقصى. لكنه وفاء طبقي وسياسي: من ليس من أولي الأمر لا يحق له أن يتكلم باسم الباطن. التأويل إذن سلطة، وكل من يدّعي التأويل خارج هذه السلطة هو زنديق أو مهرطق أو "قادم على غير أهله". هذا النموذج هو أصل الاتهام الأبدي بالتأويلية المتوحشة: متى تجرأ العوام (أو الفلاسفة، أو الشعراء) على فتح النص، صرخ رجال الدين: "هذا تأويل على غير أهله!".

التأويل الفيلولوجي-التاريخي: النص قبر والمؤوِّل عالم آثار

مع عصر التنوير والفلسفة النقدية ينقلب الأمر. النص لم يعد كنزاً مقدساً بل أثر أثرياً، واجبنا ليس أن نكتشف باطنه الأبدي بل أن نعيد بناء معناه "الأصلي" في سياقه التاريخي. سبينوزا في الرسالة في اللاهوت والسياسة، ثم ريتشارد سيمون، ثم إرنست رينان وبعدئذ المدرسة التاريخية الألمانية، كلهم قالوا: للكاهن: ابتعد، فهذا عمل علمي وليس طقساً.

لكن العلم الجديد سرعان ما صار سلطة أخرى. الآن لم يعد الاتهام "تأويل على غير أهله" يصدر من رجل الدين بل من الأستاذ الجامعي: من لم يدرس اللغات السامية القديمة، ولم يقرأ جميع المخطوطات، ولم يتقن مناهج النقد النصي، فتأويله باطل. التأويل إذن لا يزال خاضعاً لشرط الأهلية، لكن الأهلية انتقلت من القداسة إلى الاحتراف الأكاديمي.

وفي القرن العشرين، مع هيدغر ثم غادامير، يحدث انفجار هذا النموذج من الداخل: لا يوجد معنى "أصلي" يمكن إعادة بنائه، لأن الفهم نفسه حدث هرمينوطي، أي اندماج آفاق. التأويل لم يعد استعادة لشيء كان، بل إنتاجاً لشيء يكون. هنا يبدأ الشك الحقيقي: إذا كان التأويل لا يزال وفاءً أم أنه صار خيانة مكشوفة.

التأويل ما بعد البنيوي: موت المؤلف وولادة القارئ-الطاغية

مع رولان بارت ("موت المؤلف") وبول دو مان ودريدا وفوكو وكريستيفا، يتم الانقلاب الكبير: النص ليس له صاحب ولا معنى واحد ولا باطن مقدس ولا سياق حاسم. النص نسيج من الإحالات والفجوات والتناقضات، والتأويل ليس اكتشافاً بل لعبة لا نهائية من التأجيل (différance). الآن لا يوجد "تأويل على غير أهله" لأنه لا يوجد تأويل شرعي أصلاً. كل قارئ مؤوِّل، وكل تأويل عنف مشروع على النص، لأن النص نفسه عنف على اللغة وعلى العالم.

لكن هذا التحرير الطليق سرعان ما أصيب بالدوار: إذا كان كل شيء تأويلاً، فكل شيء مسموح، وبالتالي لا شيء مسموح. صار الاتهام "التأويل المتوحش" يعود من جديد، لكن هذه المرة من داخل التأويلية نفسها: دريدا يتهم سيرس بالقراءة السيئة، وفوكو يتهم الآخرين بالقراءة السطحية، ونيتشه (الذي هو أب كل هذا) يضحك ويقول: "لا حقائق، فقط تأويلات"، ثم يضيف في مكان آخر: "هناك تأويلات قوية وتأويلات ضعيفة".

خطوط تأويلية فلسفية مقترحة

بعد هذا الطريق الطويل، يمكن أن نرسم خطوطاً لتأويلية فلسفية لا تكون لا كهنوتية ولا أكاديمية جامدة ولا نيحيلية مفرطة:

التأويل خيانة ضرورية: كل فهم هو إساءة فهم خلاقة. لا يمكن أن نفهم النص إلا بإدخال شيء منا فيه، وهذا الشيء الذي ندخله هو دائماً زمننا وجراحنا وأحلامنا.

النص ليس ملكاً لأحد، لكنه ليس يتيماً: المؤلف مات، لكن النص لا يزال يحمل توقيعاً، أثر صوت، نَفَساً. التأويل الجيد هو الذي يحترم هذا النَفَس حتى وهو يخنقه لكي يولد من جديد.

التأويل فعل أخلاقي وسياسي: ليس كل تأويل سواء. هناك تأويل يزيد من قوة الحياة (سبينوزياً) وهناك تأويل يقللها. التأويل الذي يغلق النص على معنى واحد هو تأويل سلطوي. والتأويل الذي يفتحه على كل شيء دون تمييز هو تأويل عبودي للعدم.

لا أهلية مطلقة، لكن هناك مسؤولية: لسنا جميعاً مؤوِّلين بنفس القدر. من لم يقرأ النص طويلاً، ومن لم يتألم به، ومن لم يحفظ شيئاً منه في قلبه، تأويله ضعيف، حتى لو كان صحيحاً لغوياً.

التأويل لا ينتهي، لكنه يراكم: ليس كل تأويل جديد يلغي السابق. هناك تراكم هرمينوطيقي، كما أن هناك تراكماً علمياً. تأويل اليوم يقف على أكتاف تأويل الأمس، حتى لو كان يشتمه.

خاتمة

أخيراً: التأويل ليس إحساناً للنص الصنع بذاته، وليس اعتداء من الغريب. التأويل هو الحوار الوحيد الممكن بين الميت والحي، بين الغائب والحاضر، بين ما كان يريد أن يقوله النص وما نريده نحن اليوم منه.

عندما يقول أحدهم "هذا تأويل على غير أهله" فهو في الحقيقة يقول: "هذا تأويل لا يشبه تأويلي، وبالتالي يهدد سلطتي على المعنى". لكن النص العظيم هو بالضبط الذي يتحمل أن يُقرأ من قِبل الغرباء واللصوص والعشاق والأعداء في آن. لأنه، في النهاية، لا ينتمي إلى أحد، بل إلى اللغة نفسها، وإلى الزمن الذي لا يتوقف عن إعادة كتابته.

هكذا يبقى فن التأويل مزدوجاً إلى الأبد: وفاءً خائناً، وخيانة وفية، وطريقاً بلا نهاية يمشيه الميت مع الأحياء، والأحياء مع الأموات الذين لم يولدوا بعد. فمتى يتحول التأويل من منهج معرفي ثانوي إلى مقام وجودي رئيسي في حضارتنا؟