في الكويت، تدور الكراسي ويتعثر التعليم

كيف يمكن الحديث عن إصلاح تعليمي بينما يواجه الواقع معلم لغة عربية في المراحل المتوسطة والثانوية لا يعرف أبسط مبادئ الإعراب؟ أو معلم لغة إنجليزية لا يلم بتقنيات تعليم اللغة للأطفال؟ أو مدرس رياضيات لا يحسن القسمة المطولة؟

مشهد مألوف يتكرر في الكويت كل بضع سنوات: وزير جديد يصل بحماس، ثم يعلن عن خطط طموحة ويعقد المؤتمرات الحماسية، ثم يغادر الكرسي تاركاً وراءه أدراجاً مليئة بقرارات لم تر النور، أشبه بلعبة الكراسي التعليمية التي تتكرر كل عام دراسي، في دورة لا تنتهي من الوعود والإحباطات.

منذ عبدالله الغنيم في التسعينيات، مروراً بأحمد الربعي الذي حاول قلب هرم التعليم لكن فكرته الطموحة اصطدمت بواقع لم يكن مستعداً، فظل حلمه حبيس الأدراج، واستمرت المحاولات والخطط مع موضي الحمود ونايف الحجرف وبدر العيسى ومحمد العفاسي وحامد العازمي وسعود الحربي وصولاً إلى المضف والعدواني والطبطبائي، أكثر من 20 وزيراً خلال 30 عاماً، لكن الفجوة بين السياسات المعلنة وجدران الفصول ظلت شاسعة.

اللافت أن العديد من وزراء التربية جاءوا كـ"ضيوف عابرين" في أقبية الإصلاح، منهم من بقي أشهراً قليلة، وآخرون حاولوا ترك بصمة لكنهم اصطدموا بجدار البيروقراطية العتيق. المشكلة أن الإصلاح التربوي يحتاج إلى استقرار وخطط بعيدة المدى، بينما الواقع يشير إلى أن متوسط بقاء الوزير لا يكفي حتى لفهم تعقيدات النظام التربوي.

وبينما تتغير الوزارة كل عامين، يبقى المعلم هو الثابت الوحيد في هذه المعادلة، وهو من يلملم آثار كل خطة فاشلة، ويحاول سد الفجوة بين الخطط النظرية وواقع الطلاب، ويفسر لماذا تكون المناهج سهلة عاماً وصعبة عاماً آخر، ولماذا تختلف سياسات التقويم من وزير لآخر.

أما الطالب فيتابع هذه التقلبات من مقعده الدراسي، محاولاً فهم ما يحدث حوله دون أن يصل إلى نتيجة، فكيف له أن يثق في نظام تعليمي يتغير كالطقس؟ وكيف تُقنعه أن صعوبة المواد المفاجئة هي "فكرة عبقرية" اكتُشفت حديثاً في مختبرات عالمية، بينما يرى أن الاستعدادات الحقيقية للإصلاح غائبة؟

كنا نسمع عن خطط قديمة يراد إحياؤها، تلتها مبادرات غير اعتيادية من وزراء ومسؤولين استثنائيين، ثم اتفاقيات مع جهات تربوية دولية، لكن السؤال الأهم: هل ستصل هذه المبادرات والاتفاقيات والخطط إلى الفصل الدراسي، أم أنها ستتحول إلى شهادات تُعلق على الجدران؟

فكيف يمكن الحديث عن إصلاح تعليمي بينما يواجه الواقع معلم لغة عربية في المراحل المتوسطة والثانوية لا يعرف أبسط مبادئ الإعراب؟ أو معلم لغة إنجليزية لا يلم بتقنيات تعليم اللغة للأطفال؟ أو مدرس رياضيات لا يحسن القسمة المطولة؟

هنا تكمن المفارقة المؤلمة: بينما تدور الكراسي الوزارية في دوامة لا تنتهي، يظل المعلم غير الكفء ثابتاً في موقعه، يتلقى نفس راتب زميله المتميز ونفس المكافآت والمزايا، وهذه المعادلة المجحفة تخلق بيئة تعليمية طاردة للكفاءات، تثبط همم المبدعين وتشجع المتقاعسين، وتقضي على جودة التعليم.

إن معادلة التطوير الحقيقية تقوم على ثلاثة أركان: مناهج نوعية، ومعلم كفؤ، وبيئة تعليمية جاذبة بعيدة عن المجاملات والترضيات. وهذا يتطلب:
1- اختبارات كفاءة دورية ومفاجئة للمعلمين تقيس العمق العلمي والمهاري الحقيقي.
2- لجان تقييم متخصصة تزور الفصول الدراسية وتشهد الأداء على أرض الواقع.
3- نظام حوافز متدرج يكافئ المتميز ويحفز المتقاعس.
4- مسارات وظيفية بديلة لمن يثبت عدم أهليته للتدريس.

إن تحويل المعلم غير الكفء إلى عمل إداري ليس إهانة للمهنة، بل احترام للعملية التعليمية وإنصاف للطالب الذي يستحق أفضل تعليم، وعدالة للمعلم الكفؤ الذي يبذل جهوداً حقيقية ولا يكتفي بتوجيه أوامر للطلبة للنقل من الباوربوينت الجاهز.

الكويت بحاجة إلى خارطة طريق تربوية واضحة تمتد لعشر سنوات وأكثر، لا تتغير بتغير الوزراء، تستثمر في المعلم الكفؤ، وتؤمن بالاستقرار، وتقدس الجودة، وتبدأ عملية الإصلاح من داخل الفصل الدراسي لا من المكاتب الإدارية، وتنطلق من حاجات الطلاب لا من طموحات الوزراء.