كيف ساهم نتنياهو في اقتراب إيران من قنبلتها النووية

البرنامج النووي الإيراني خرج من نطاق الضبط الفني التقليدي ليصبح جزءا من استراتيجية بقاء الدولة، مما يجعل أي اتفاق في جنيف مجرد محاولة لإدارة الأزمة وليس حلاً نهائياً لها.

حينما تتعقد مسارات المفاوضات في جنيف بين طهران وواشنطن نتيجة رفض إيران بشكل قاطع السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول إلى المنشآت التي تعرضت للقصف (مثل فوردو ونطنز وأصفهان)، يعود إلى الأذهان السبب الرئيسي للأزمة، وهو انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الموقع مع إيران.

ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان من أشد المعارضين للاتفاق النووي لعام 2015 (JCPOA) وبذل جهوداً حثيثة لإقناع إدارة ترامب الأولى بالانسحاب منه. بل وتفاخر علناً في عدة مناسبات بأنه هو من أقنع ترامب باتخاذ خطوة الانسحاب في مايو/ايار 2018، معتبراً الاتفاق خطراً على أمن إسرائيل لأنه يمنح إيران شرعية دولية على المدى الطويل دون تفكيك بنيتها التحتية النووية بالكامل.

هذا الاتفاق كان يفرض سقفاً صارماً لتخصيب اليورانيوم عند نسبة 3.67 في المئة، وهي نسبة كافية فقط للاستخدامات السلمية وإنتاج الطاقة. وبعد الانسحاب الأميركي وإعادة فرض العقوبات، بدأت إيران بالتخلي تدريجياً عن التزاماتها النووية كرد فعل. أدى هذا المسار في نهاية المطاف إلى رفع إيران لنسب التخصيب لتصل إلى 60 في المئة في منشآت مثل فردو ونطنز، وهي نسبة قريبة جداً من درجة النقاء العسكري (90 في المئة) المطلوبة لصنع سلاح نووي.

فقرار الانسحاب دون وجود خطة بديلة فعالة كان خطأ استراتيجياً فادحاً، أزال القيود الدولية عن طهران ومنحها الذريعة للوصول إلى حافة القدرة النووية التي هي اليوم واحدة من أكبر الأزمات التي تواجهها مفاوضات جنيف وعليه، يمكن القول إن نتنياهو أسهم، أكثر من أي زعيم إسرائيلي آخر، في تهيئة الظروف التي دفعت إيران إلى الاقتراب من صنع قنبلتها النووية.

الآن ترى طهران أن المنشآت التي تضررت جراء العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية تمثل "قلب البرنامج النووي الإيراني"، وتعتبر أي رقابة دولية عليها بمثابة انتهاك للسيادة وضياعاً للجهود التقنية التي بُذلت في رفع نسب التخصيب، والتي تسارعت وتيرتها منذ انسحاب ترامب من اتفاق 2015. بل وتصر على أن قدراتها الصاروخية وبرنامجها النووي غير خاضعين للتفاوض، خاصة في ظل المذكرة الموقعة مؤخراً لإنهاء الحرب، والتي لم تتطرق بشكل مباشر لنزع السلاح النووي كما روجت الإدارة الأميركية.

وأحدثت التصريحات الأميركية -لاسيما من نائب الرئيس جاي دي فانس- حول وجود "موافقة إيرانية" على التفتيش حالة من البلبلة، لكن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، نفى وجود أي بروتوكول يسمح للمفتشين بدخول تلك المواقع المحددة، مؤكداً أن التعاون مع الوكالة يقتصر على الإجراءات المعتادة فقط، فيما يلوح الجانب الأميركي بخيارات "انتزاع" اليورانيوم المدفون تحت الأرض في حال استمرار الرفض الإيراني.

تشير المعطيات الراهنة إلى أن الملف النووي الإيراني قد تجاوز مرحلة التقييد الفني بموجب الاتفاقيات الدولية، ليتحول إلى ركيزة أمنية استراتيجية، خاصة أن المعرفة المتراكمة التي اكتسبتها طهران على مدى عقود، والتي تأسست في بداياتها على تسريبات فنية من شبكة العالم النووي الباكستاني عبدالقادر خان، قد أصبحت اليوم جزءاً لا يتجزأ من الكيان التقني والعسكري الإيراني، مما يجعل محاولات السيطرة عليها أو إزالتها عبر مفاوضات جنيف عملية معقدة للغاية وقد لا تؤدي إلى نتائج حاسمة.

فالخبرة النووية التي راكمتها إيران ليست مجرد أجهزة طرد مركزي قابلة للتفكيك أو منشآت عرضة للقصف، بل هي "عقل جمعي" وتقني انتقل من مرحلة النقل إلى مرحلة التطوير الذاتي. وإن أي ضمانات تقدمها طهران في مفاوضات جنيف، مهما بلغت صرامتها، لن تؤدي إلى محو هذه المعرفة. بل على العكس، تشير التقديرات إلى أن هذه المعرفة ستظل قابلة للتطوير والتحسين، خاصة في ظل وجود بيئة دولية تسمح بتبادل الخبرات وتطوير القدرات التكنولوجية خارج مظلة الرقابة الغربية.

لقد غيرت الحرب الأميركية الإسرائيلية الأخيرة موازين التفكير الاستراتيجي في طهران، فلم يعد امتلاك سلاح الردع النووي خياراً سياسياً للمناورة أو ورقة تفاوض، بل أصبح "ضرورة وجودية" لضمان البقاء في وجه التهديدات الوجودية المستمرة. إن الهجمات التي استهدفت البنية التحتية النووية الإيرانية لم تؤدِ إلى وأد الطموح النووي، بل عززت القناعة لدى صناع القرار الإيرانيين بأن غياب هذا الردع هو الذي شجع الخصوم على تجاوز الخطوط الحمراء.

أي ترتيبات يتم التوصل إليها في جنيف لن تكون قادرة على استئصال الدافع الإيراني لامتلاك سلاح نووي، فإيران، التي تعي جيداً درس التجارب التاريخية لدول أخرى تخلت عن برامجها النووية، تدرك أن التنازل عن هذا الملف يعني انكشافاً أمنياً كاملاً، لذا، فإن السلوك الإيراني الحالي، الذي يتسم بمرونة تكتيكية في المفاوضات، يهدف إلى كسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق، دون المساس بالجوهر التقني للبرنامج الذي يظل هدفاً استراتيجياً بعيد المدى لا يقبل المساومة.

إن التحول في الرؤية الإيرانية بعد عام 2026 يؤكد أن طهران قد انتقلت من مرحلة "العتبة النووية" التي منحها إياها نتنياهو، إلى قناعة بضرورة امتلاك قوة رادعة حقيقية وإن الضغوط الدولية والرقابة المفروضة قد تنجح في إبطاء وتيرة التطوير مؤقتاً، لكنها لن تقضي على الطموح الذي أصبح مغلفاً بإطار من "الأمن القومي" الذي لا يمكن تجاوزه أو التنازل عنه.

النتيجة، إن البرنامج النووي الإيراني قد خرج من نطاق الضبط الفني التقليدي ليصبح جزءاً من استراتيجية بقاء الدولة، مما يجعل أي اتفاق في جنيف مجرد محاولة لإدارة الأزمة وليس حلاً نهائياً لها، مع استمرار طهران في تطوير قدراتها النووية بعيداً عن أعين الرقابة الدولية.

والمأزق التفاوضي الذي يواجه المفاوضون في جنيف تحدياً يتركز في تحويل التفاهمات المؤقتة إلى اتفاق مستدام، حيث تُصر إيران على فصل الملفات الفنية عن الضغوط السياسية، بينما تحاول واشنطن استغلال التفاهمات الأخيرة حول وقف إطلاق النار لفرض رقابة أمنية على ما تعتبره "المكتسبات النووية" التي حققتها طهران.