هل ينجح الرباعي الإقليمي في انتزاع ورقة حزب الله من إيران
الاجتماع الرباعي الذي ضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان، في القاهرة، يمثل أول خطوة عملية لوضع الأسس لاستمرار التنسيق فيما بينهم بعد اجتماع مارس الماضي. ويمكن القول إن هذا الرباعي كان أحد أهم مسارات التمهيد وتهيئة المناخ، خاصة عبر الدور الباكستاني في الوساطة والتنسيق، وصولاً إلى مفاوضات جنيف لإنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة.
هذا التنسيق يحمل طابعاً مرحلياً تفرضه الظروف الراهنة، مع إمكانية تطوره مستقبلاً إلى إطار تعاون أوسع، وتمثل هذا في أن اجتماع القاهرة، ربما جاء كرد فعل مباشر على مفاوضات جنيف وما يمكن أن تسفر عنها من إعادة تموضع للنظام الإيراني في المنطقة.
من الأهداف الرئيسية للاجتماع الرباعي الأخير بالقاهرة، وهو محاولة صياغة شبكة أمان إقليمية لمواجهة التفاهمات الإيرانية الأميركية الناشئة، وتحديداً بعد توقيع "مذكرة تفاهم إسلام آباد" الأخيرة في 18 يونيو، والتي فتحت الباب لإعادة ترتيب الأوراق الإقليمية.
وهو حتى الآن لا يزال في مرحلة استكشاف نقاط الالتقاء، ولم يصل بعد إلى مستوى التحالف الصلب، خاصة أن طبيعة العلاقات بين هذه الدول تحديداً تجعل من الضروري أن يكون أي "تطور مستقبلي" قائماً على المصالح المشتركة، وليس على أساس أيديولوجي موحد.
تاريخياً، العلاقات السعودية الباكستانية تتجاوز الدبلوماسية التقليدية إلى مربع "الأمن الاستراتيجي المشترك". وهناك ما يمكن وصفه بمحاولة لسحب إسلام آباد بعيداً عن الاستقطاب الإيراني، خاصة أن باكستان، تظل القوة النووية الوحيدة في هذا المحور، والدعم المالي والنفطي السعودي يمثل دائماً شريان حياة لها.
في المقابل فإن باكستان لديها أزمة داخلية معقدة يمكن أن تسبب لها إرباكاً قد لا تتحمل تداعياته. والتداخل العرقي والقبلي على الحدود الإيرانية الباكستانية المشتركة يجعل إسلام آباد حذرة للغاية من أي صدام مباشر مع طهران، لأن كلفة زعزعة استقرارها الداخلي قد تفوق أي مكاسب قد تجنيها من تحالف خارجي.
أيضاً التقارب المصري التركي وتحديداً في منطقة البحر الأحمر وباب المندب يمثل نقلة نوعية. مصر تمتلك القوة البحرية والنفوذ التاريخي في السويس، وتركيا تمتلك حضوراً عسكرياً متزايداً وقوة دفع تكنولوجية وعسكرية (خاصة في مجال المسيرات والصناعات الدفاعية). التقاؤهما يمثل حائط صد حقيقي أمام محاولات طهران فرض معادلات جديدة في الممرات المائية عبر حلفائها.
وإذا كان هناك العديد من القواسم المشتركة بين الدول الأربع، فهناك أيضاً بعض "نقاط الاختلاف"، فهذا التكتل الناشئ يمتلك ثقلاً جيوسياسياً كبيراً، ما يؤهله لأن يكون منصة فاعلة لمعالجة النزاعات الإقليمية والتحديات الأوسع التي تواجهها المنطقة، لكنه بالتأكيد سيتطلب تطوير آليات أكثر كفاءة لتمكينه من تسوية تلك النزاعات لترسيخ الاستقرار الإقليمي، وربما تكون الأزمة الإيرانية بكل أذرعها هي الاختبار الحقيقي لهذا الرباعي.
وهذا تحديداً قد يتبدى مستقبلاً فيما يتعلق بأزمة حزب الله في جنوب لبنان، التي حولتها طهران من سلاح للمقاومة إلى ورقة ضغط في مفاوضات جنيف، مثلها مثل مضيق هرمز.
في أدبيات العلوم السياسية، توظف الدول الإقليمية الأطراف المسلحة كـ "مصدات أمنية" أو "أوراق ضغط"، وعندما تصل الدولة الأم (طهران) إلى تفاهمات كبرى مع القوى العظمى (واشنطن)، تتغير وظيفة هذه الأوراق.
فإجبار واشنطن على تقييد العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان لم يكن انتصاراً عسكرياً محضاً لحزب الله بقدر ما كان ثمرة صفقة سياسية أكبر أدارتها طهران خلف الكواليس. وطهران مستعدة دائماً لتهدئة الجبهات أو تجميدها إذا كان المقابل هو الاعتراف بنفوذها الإقليمي وتخفيف الحصار الاقتصادي عنها.
هذا ما يولد ما يعرف بحدود "الاستغناء"، وقد لا تعني بالضرورة تصفية الحزب، بل تحجيم دوره العسكري الخارجي وتحويله إلى قوة سياسية محلية مستقرة، وهو ما يعني عملياً انتهاء صلاحيته كـ "رأس حربة" للمشروع الإيراني الهجومي، وتحوله إلى "حارس حدود" للتفاهمات الجديدة. التاريخ الإيراني مليء باللحظات التي قدمت فيها طهران براغماتيتها السياسية على شعاراتها الأيديولوجية.
تبعية الحزب المطلقة لإيران تمثل جوهر الحقيقة الهيكلية لهذا الفصيل، فالحزب ليس مجرد حليف محلي لإيران يمكنه المناورة، بل هو امتداد عضوي وعقائدي ومؤسسي لنظرية ولاية الفقيه. بالتالي، فإن فكرة التمرد أو اتخاذ مسار منفصل عن التوجه الإيراني تبدو مستحيلة عملياً، لأن شرعيته، ووجوده السياسي، وتمويله العسكري، كلها عناصر مرتبطة بنيوياً بالقرار في طهران.
وإذا فرضت التسويات الكبرى على طهران تحجيم الدور العسكري للحزب، فسينصاع مرغماً للحفاظ على ما تبقى من مكتسباته السياسية والاجتماعية داخل لبنان، لأن خيار التحدي يعني الانتحار الكامل وانقطاع شريان الحياة عنه.
هذه هي الحقيقة المجردة لمستقبل التوازنات، حيث تبدو القوى الإقليمية مكبلة بحساباتها وأزماتها الداخلية، بينما تظل أوراق الضغط الإقليمية خاضعة تماماً لبوصلة المفاوضات الكبرى.
قد يمتلك الرباعي فرصة كبيرة للمساهمة لتقليص فاعلية ورقة حزب الله في يد المفاوض الإيراني، من خلال دعم الجيش اللبناني وتشديد الرقابة على قنوات الدعم المالي لعناصر الحزب. لو نجح "الرباعي" في ملف الحزب سيكون مهيئاً للعب دور حاسم فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية المستقبلية في الخليج والشرق الأوسط.
لكن تبقى المشكلة، أن التحالفات السابقة بين دول إسلامية، مثل منظمة التعاون الإسلامي ومنظمة التعاون الاقتصادي وغيرها، لم تنجح بشكل كافٍ في التعامل مع أزمات كبرى شهدتها المنطقة؛ فالاختلاف في ترتيب الأولويات وتفاوت المواقف تجاه قضايا مصيرية وجوهرية مثل الملف الفلسطيني يجعل هذا التجمع أشبه بمنصة تنسيق تكتيكية مؤقتة لمواجهة أزمات بعينها، وليس حلفاً استراتيجياً صلباً، وهو تماماً السيناريو المكرر الذي أفشل تجارب التحالفات الإسلامية والعربية السابقة.
بالتأكيد الرباعي لا يهدف إلى إعلان حرب أو إشعال مواجهة عسكرية، بل إلى خلق "قوة ردع سياسية وعسكرية" تجعل طهران تدرك أن أي مكاسب تجنيها من تفاهماتها الدولية (مثل مذكرة تفاهم إسلام آباد ومفاوضات جنيف) لن تترجم بمرونة على الأرض العربية.