كيف يفسّر العلم أثر الموسيقى في الذاكرة والجسد والكون؟
يقول الكاتب والملحن الكندي ميشيل روشون: "أخبرتني إحدى عازفات التشيللو ذات مرة أنها ظلت تعزف في حفلات مختلفة أثناء فترة حملها، وحتى أنجبت. لقد كانت تجربة فريدة بالنسبة لها أن تستند الآلة مباشرة على بطنها الحامل. وأشارت إلى أن الطفل الرضيع كان يتفاعل بقوة مع الموسيقى، وبطريقة مختلفة اعتمادًا على إيقاع اللحن، وبالتالي الأسلوب. كانت موسيقى باخ هي التي أثارت أبطأ حركات طفلها الذي لم يولد بعد". وكما أثرت الموسيقى على الجنين في بطن أمه، استطاعت أيضًا أن تغيّر تاريخ الإنسانية وتشكّله، فالموسيقى هي اللغة الأولى للبشرية.
من الانفجار العظيم إلى "السايبورغ"، مرورًا بعلم ما فوق الجينات أو "التخلّق"، يقدم ميشيل روشون في كتابه "الموسيقى والعقل مغامرة علمية وطبية في عالم الموسيقى الاستثنائي". موضوع جريء حاول التعامل معه بأكبر قدر من البساطة، في شكل تأملات، مؤكّدًا أن علاقتنا اليومية بالموسيقى تجعلها سلعة استهلاكية، نأخذها أحيانًا كأمر مسلّم به. ومع ذلك، فنحن تقريبًا جميعًا مدمنون على هذا المخدّر الخفيف المُسكر، الذي يؤثر علينا بعدة طرق.
يشهد الكتاب، الذي ترجمته أماني مصطفى وصدر عن دار العربي للنشر، على الارتباط الوثيق بين الفن والعلم، والذي يعود تاريخه إلى بداية الإنسانية. يقول روشون إن الثقافة العلمية تُظهر لنا مرة أخرى أن الموسيقى تُشكّل جزءًا من الثقافة بشكل عام. ومع ذلك، فغالبًا لا نُقرّ بقيمتها في مجتمعنا بشكل صحيح. إن الضوء الذي يلقيه العلم على أصول الموسيقى، وعلى طريقة تأثيرها علينا، وعلى طبيعتها الفيزيائية، وعلى العمل الاستكشافي لتطويرها، يثبت أن لها مساهمة كبيرة في ثقافتنا. ستكتشف كيف يعمل العقل لإدراك الموسيقى أو عزفها. وتُعد هذه المعرفة نظرة تثقيفية على الثورة الموسيقية الحالية. وتُستخدم الموسيقى لنفهم بشكل أفضل كيف دخل الذكاء الاصطناعي إلى عالم الموسيقى، وكيف يمكن للباحثين أن يستهدفوا أبحاث العلاج بالموسيقى بدقة أكبر. هناك الكثير من التساؤلات عن تناغم الأفلاك، والمواضيع في كل الكتاب. وبالنسبة لي، فإن هذا المفهوم الفلسفي يجمع كل قطع الأحجية التي تُكوّن الصورة الكبيرة لما نريد البحث عنه. إن للموسيقى تناغمًا، تمامًا مثل تناغم جسم الإنسان. وأيضًا، أليس دور الموسيقى أن تجعل حياتنا أكثر تناغمًا؟
ويضيف "لقد صادفت هذه اللوحة الجدارية الصوتية الكبيرة على مدار حياتي، وأتساءل بشكل مستمر عن ألغاز الموسيقى كعالم في وظائف الأعضاء، وموسيقي، وصحفي في المجالين العلمي والطبي. لماذا تؤثر الموسيقى بقوة عليّ مثلما تؤثر عليك؟ لقد قطع العلم خطوات عملاقة على مدى العقود القليلة الماضية، ويقدّم لنا الآن تصورًا دقيقًا بشكل متزايد عن مدى تأثرنا بالموسيقى. تناولتُ في كتابي أيضًا سبب افتتان العديد من الأطباء والباحثين بالموسيقى. فعلى الرغم من أن هذا الشغف قديم للغاية وربما تجاوز الألف عام، فإنه لا يزال حاضرًا، ويثير رغبة العلماء اليوم في فهم الدور الذي يلعبه تناغم الأصوات في تطور البشرية، بالطريقة نفسها التي يؤثر بها على عقولنا. كما أنني أسهب في الحديث عن الاستخدام المتزايد لتناغم الأصوات في علاج المرضى".
موسيقى الكواكب
يوضح روشون "نجح عالم الفيزياء الفلكية في تطوير نموذج موسيقي لفهم أداء أنظمة الكواكب بشكل أفضل، خلال فترة ما بعد الدكتوراه في المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بتورنتو. لقد ركّز مشروع "مات روسو" المسمى أصوات النظام على نظام كوكبي – "ترابيست-1" الذي اكتُشف مؤخرًا على مسافة 39 سنة ضوئية، أي 370,500 مليار كيلومتر، ولكن دون فائدة. يتكوّن هذا النظام من سبعة كواكب بحجم كوكب الأرض، وسيكون بعضها صالحًا للحياة لاحتوائه على الماء. اكتشف "مات روسو"، من خلال تحويل حجم مدارات كل كوكب إلى ترددات دقيقة، ومدة دورانها إلى نبضات إيقاعية، أبنية متجانسة وإيقاعية شبيهة بتلك الخاصة بالموسيقى التي يمكن أن يكون قد ألّفها موسيقيون تقليديون، أمثال فيليب غلاس أو ستيف ريتش. تحدد نغمات هذه المقطوعة الكوكبية، والفواصل الصوتية، بالمسافة التي يقطعها كل كوكب عند الدوران في مداره. فكلما كان المدار أقصر زادت حدة النغمة وكان الإيقاع أسرع، وكلما كان المدار أطول انخفضت النغمة وكان الإيقاع أبطأ. وقد حصل روسو، من خلال تركيب نغمات وإيقاعات الكواكب السبعة، على مقطوعة موسيقية تقنع وتمتع من يستمع إليها كثيرًا، نوع من موسيقى الأفلاك التي من شأنها أن تريح الفلاسفة وعلماء الفلك والرياضيات اليونانيين؛ لأن هذا كله يعيدنا إلى ما أسموه تناغم الأفلاك".
تناغم الأفلاك
ويؤكد أن تناغم الأفلاك هو نظرية تنص على أن الكون تحكمه علاقات عددية متناغمة، وتقوم على أن المسافات بين الكواكب تتوافق مع الفواصل الموسيقية. وكان عالم الرياضيات والفلك اليوناني "فيلولاوس" أول من اقترح أن الكون تحكمه علاقات عددية متناغمة في عام 400 قبل الميلاد تقريبًا. ووفقًا له، فإن كل شيء يدور حول ثلاث درجات للموسيقى هي: "الأوكتاف"، والرابعة، والخامسة. لكن الفيلسوف أفلاطون هو الذي ذهب إلى أبعد من ذلك؛ فوفقًا لنظريته تتشكل الموسيقى السماوية بمقياس تصاعدي أو تنازلي، تتحدد فيه الفواصل الزمنية من خلال المسافة بين كوكبنا والنجوم. بعد ذلك تصبح المسافة بين الأرض والقمر الوحدة الرئيسية، وتكون جميع المسافات اللاحقة بين الأرض والنجوم الأخرى مضاعفة لها، أي أن المسافة بين الأرض والشمس تعادل ضعفي المسافة بين الأرض والقمر، والمسافة بين الأرض وعطارد ثلاثة أضعافها، والمسافة بين الأرض والزهرة أربعة أضعاف، وبين الأرض والمريخ ثمانية أضعاف، وبين الأرض والمشتري تسعة أضعاف، وبين الأرض وزحل 27 ضعفًا. ومن هذه النسب يكتشف أفلاطون النسب الساكنة للموسيقى بين "الأوكتاف" والرابع (3/4) والخامس (2/3).
ويرى روشون أن هذه النظرية لن تصمد في مواجهة معرفتنا العلمية الحالية، حيث إنه من الواضح أن هذه المسافات بين الكواكب خاطئة. وحتى تلميذه أرسطو أدرك أنه، على الرغم من لباقته، فإن تناغم الأفلاك لا يحتمل التحليل، ووفقًا له فإنه لا يمكننا أن نعتقد أن النجوم المتحركة تُحدث ضوضاء متناغمة، فالأمر ليس أكثر مما يمكننا سماعه منذ والدتنا من هذه الفواصل الصوتية. ومع ذلك، بعد ما يقرب من ألفي عام من هذه الرؤى، أعاد عالم الفلك يوهانس كيبلر إطلاق هذه النظرية، هذه المرة بقياسات أكثر دقة. كتب أطروحة في عام 1619 بعنوان هارمونيس موندي، بناءً على سرعة دوران الكواكب. والمثير للدهشة أن حساباته أسفرت مرة أخرى عن نسبة تؤكد الثالث والخامس والأوكتاف. وسيتبع علماء الفلك الآخرون نماذج كوكبية ستؤكد نسبها على التناغم. فقد أعلن عالم الفلك الألماني "تيتيوس بود" في عام 1772 قانونًا سُمّي باسمه، قانون "تيتيوس بود"، والذي نص على أن نصف قطر مدارات الكواكب يعتمد على التقدم الهندسي. كان محقًا، ولكن عندما اكتشفنا كوكب نبتون في عام 1846 لاحظنا أن هذه النسب لم تنطبق على هذا الكوكب. والوحيد الذي حقق التناغم التام لنظام الكواكب كان عالم البلورات "فيكتور جولدشميت" في عام 1910، حيث أخذ المسافة من كوكب المشتري إلى الشمس كوحدة فلكية أساسية وتمكّن من حساب التناغم الموسيقي في المسافات بين الكواكب.
الاكتشافات الأثرية
يلفت روشون إلى ظهور أولى الآلات الموسيقية، فيقول: "تكشف أحدث الاكتشافات الأثرية عن مزامير معقدة نسبيًا، يعود تاريخها إلى أكثر من 40 ألف عام، في الوقت الذي كان فيه الإنسان العاقل يعيش جنبًا إلى جنب مع الإنسان البدائي. وفي عام 2012 اكتشف علماء الآثار في كهف "غايسنكلوسترلي"، في منطقة الدانوب بألمانيا، مزمارين ربما يبلغ عمرهما 42 أو 43 ألف عام. هؤلاء البشر الأوائل اتخذوا خيارات عبقرية، حيث نحتوا المزمار الأول من عظم الزند للإوز العراقي المعروف بحجمه الكبير، والثاني من قرن عاجي. يبلغ طول المزمار المصنوع من عظام الإوزة العراقية 12 سم، لكن يُعتقد أنه يجب أن يكون طوله حوالي 17 سم، وله ثلاث فتحات، ولا ينتج سوى أربع نغمات مختلفة، وهذا يكفي لتأليف مقاطع لحنية وموسيقية صغيرة وقصيرة، وربما تكون تلك المقاطع هي الأولى في تاريخ الموسيقى".
ويتابع "لا شيء يمنعنا من التفكير في أن هناك آلات موسيقية أخرى اخترعت منذ زمن بعيد، خاصة أنه خلال هذه الفترة من العصر الحجري القديم، أي قبل حوالي 40 ألف عام من عصرنا، ظهرت أشكال مختلفة من التعبير الثقافي: المجوهرات، والأشياء الزخرفية، وخاصة الرسومات الصخرية على جدران الكهوف. والموسيقى، مثل أي شكل آخر للفن، وسيلة للتعبير عن النفس الإنسانية، فهي أولًا مرتبطة بشكل أساسي بالعواطف، وبالتأكيد بشكل أقوى بطقوس هذه المجتمعات المبكرة. وقد ظهرت الموسيقى من خلال طريقين: الصوت البشري والإيقاع. استخدم النظام السمعي، الذي تطور ونُقّي، لتحديد هوية الأصوات البيئية والطبيعية للبقاء الفردي والجماعي، وهذه المعرفة لإعادة إنتاج هذه الضوضاء. ثم وجّهها البشر لتمدّ الطقوس والمشاعر التأسيسية العظيمة بالصوت، مثل تلك الخاصة بالصيد، والحرب، واللعب، والحب. ما الذي يمكن أن يكون أكثر إسكارًا من تقليد وتضخيم إيقاعات القلب، وصرخات الحشد، من أجل أن تشجع نفسك للذهاب للصيد؟".
دماغ موسيقي
يشير روشون إلى أن علماء الآثار والأنثروبولوجيا قدّموا الفرضية القائلة إن البشر الأوائل استخدموا الموسيقى كأداة ثقافية لتقوية الترابط الاجتماعي؛ لذلك فإن الموسيقى أداة قوية ستُظهر تفوّقها على عناصر الطبيعة وتُغيّر مسار عصور ما قبل التاريخ. واليوم، فإن النظرية المركزية التي يحاول علماء علم الأعصاب تأكيدها من خلال التصوير الوظيفي للدماغ، هي نظرية وجود "دماغ موسيقي" داخل دماغنا نفسه. هذا المصطلح الذي تُسيء وسائل الإعلام استخدامه يستحق بعض الإيضاح؛ لأنه لا يوجد عقل موسيقي حقيقي، بل مجموعة من المناطق في الدماغ تتفاعل مع الموسيقى، وتحلّل مكوناتها الهيكلية المختلفة، وطبقاتها، وتناغمها، وإيقاعاتها، بالإضافة إلى العواطف التي تثيرها، والتي ندركها بعد ذلك على أنها شيء واحد.
ويتطرق إلى التأثير الإيجابي لعزف الموسيقى على تعلم اللغات، وتحسين قدرات الاستماع والتركيز، ورفع معدلات الذكاء. ويرى أن الإيقاع "يظل في صميم تكويننا؛ لنفكر في دقات قلوبنا أثناء المشي، وإيقاع تنفسنا المنتظم، والإيقاع الطبيعي للكلام. وقد اكتُشف أن الأطفال الذين يبلغون شهرين من العمر يمكنهم التمييز بين الاختلافات الإيقاعية في الموسيقى. هذا يدل على الأهمية التي يوليها الدماغ لإدراك الإيقاع. وقد ثبت أيضًا أنه يمكن تدريب الخلايا العصبية في القشرة البصرية على الاستجابة للإيقاعات المنتظمة. إذا كان هناك تفسير لفوائد تعلم الموسيقى، فهو أن للإيقاع تأثيرًا إيجابيًا على كل من الأداء والتعلم. وتستفيد الوظائف المعرفية الضرورية لتنسيق الحركات وتخطيطها، والترقب، والتكامل الحسي أثناء أداء مقطوعة موسيقية على آلة، من التزامن الضروري للإيقاع. ومن جهة أخرى، درس تأثير هذا التزامن على السلوك؛ فإذا كانت الموسيقى قد لعبت دورًا في التطور البشري كعامل توحيد وتحسين التعاون والتنسيق والترابط الجماعي، فإن الإيقاع الموسيقي يلعب دورًا رئيسًا. اطلب من موسيقي أوركسترا أن يحدثك عن ظاهرة التزامن القوية خلال حفلة سيمفونية، حيث المائة موسيقي ليسوا إلا موسيقيًا واحدًا، وتبدو الفرقة كلها بكل عازفيها متناغمة للغاية، ويمثلهم قائد الأوركسترا".
الوعي قائد فرقة الأوركسترا
ويخلص روشون إلى أن الكائنات الحية الأولى استخدمت عدة وسائل اتصال للبقاء على قيد الحياة، وأن والدة الموسيقى هي نتيجة مسار تطوري طويل. وبتواضع، يجب علينا أن نقبل جزءًا من الدهشة أمام العبقرية الإبداعية للإنسان العاقل، الذي عرف كيفية التقاط وفهم واستغلال التناغم الصوتي للطبيعة. إن دماغنا مهيأ بشكل عجيب ومجهز لاستيعاب الفروق الدقيقة اللامتناهية في الموسيقى، ليسمح لنا بتذوق محتواها اللحني والتناغمي والإيقاعي، ونقل كل شحنتها العاطفية المهمة إلينا. وعينا هو، بطريقة ما، قائد فرقة الأوركسترا الذي يوحد جميع مناطق دماغنا، التي تنقل الموسيقى القادمة إلى آذاننا بلا كلل. نجرؤ على أن نأمل أن تكون السيمفونية التي يعزفها دماغنا مخلصة لواقع الموسيقى التي تصل إلى آذاننا؛ لأن الموسيقى أيضًا محفّز معقد جدًا وغني جدًا، لدرجة أنه يتطلب عملًا كبيرًا من دماغنا لفصل جميع المكونات، وإعادة تركيبها بعد ذلك بشكل مستمر وفي الوقت الفعلي. وهذا دليل رائع على فعالية نشاطه الكهربائي، وهو في حد ذاته ظاهرة غير عادية.
لقد أتاحت لنا قرون من التفكير والأبحاث التي أجرتها نساء ورجال العلم أن نفهم أن الموسيقى ليست لغزًا، ولكنها اكتشاف متجدد باستمرار. وبما أن الموسيقى تؤثر على العديد من مناطق الدماغ، فإنها لا يمكنها إلا أن تغيّرنا. إن السيمفونية الموجودة في أدمغتنا هي إحدى عجائب الطبيعة العظيمة.