لالا عبده يغادرنا بصمت ليقترب من حرم السكون جليلاً

الفنان التشكيلي الكردي يترجل بعد مسيرة فنية حافلة امتدت لعقود تميز فيها باستخدام الألوان المائية بأسلوب فريد، وترك بصمة خاصة في الفن المحلي المعاصر منطلقا من إرث مدينة السليمانية العريق.

قبل أيام قليلة، وتحديداً في الثامن من يوليو/تموز، غادرنا الفنان التشكيلي الكردي لالا عبده (1947-2025) عن عمر يناهز الثامنة والسبعين عاماً. غادرنا بعد أن شرب من ينابيع الغربة كثيراً، وبعد أن عام في بحار وأنهار ومحيطات باحثاً عن الإنسان وإنسانيته، عن كل ما يجعله ألا يخجل من انتمائه الإنساني. غادرنا وفي جعبته العشرات، بل المئات من الحكايا التي لم يسرد لنا منها إلا القليل، بريشته وألوانه. لم يمنحه القدر ما يكفيه من الوقت ليسردها لنا جميعاً، وكأنه يقول بأن عمراً واحداً لم يكفه ليفرغ لنا جعبته كلها وما تحويه من قصص وأحداث وروايات. لم يقل كل ما كان يرغب في قوله، فغيابه خسارة ليس لأهله ومحبيه فقط، بل للحركة التشكيلية الكردية على نحو خاص، والعراقية على نحو عام.

غادرنا من مدينة نورمبيرغ الألمانية حيث كان يقيم. غادرنا وهو لم يتأخر في إعطاء الفن حركة لتدور في مضمارها الذي أراد دون أن تقف، حركة لها دقتها المتناهية مهما بلغت بساطتها، حركة تحمل مسحة طاغية من أحاسيسه، وكأنه يلمح بأن الحاجة للفن كحاجة الإنسان للهواء والماء، وبأن الإنسان كجسد سيمضي في الغياب دون بد، وما يبقى له ولنا وللتاريخ هي هذه الأعمال الفنية التي لا تموت، ويبقى الفنان خالداً فيها وبها، الأعمال التي ستشكل عنواناً وهوية للبلد، والتي ستحميه من كل الأيادي التي قد تفكر بالعبث بالزمن، وعلى نحو أخص في زمن الضباع الذي يدّعي بأنه الوحيد الذي يحمل ختم التصديق الرسمي، وحيث الخطر على أشده في تدمير الحقائق. لا أقصد هنا الأعمال التشكيلية وحدها، بل كل ما يمت إلى الإبداع من صلة كالموسيقى والمسرح والأدب والسينما... إلخ، وكل ما يجري في هذا النهر الخالد، العذب.

لالا عبده ابن مدينة السليمانية في كردستان العراق، والتي تعتبر بحق العاصمة الثقافية لكردستان. والأمر لا يعود إلى الزمن القريب، بل إلى الزمن البعيد جداً، إلى زمن التأسيس، زمن البناء، حيث يقال بأن السليمانية بُنيت في عام (1784م) في عهد إمارة بابان، واتخذها إبراهيم باشا عاصمة لإمارته، وأطلق عليها السليمانية نسبة إلى والده سليمان باشا. ويقال أيضاً بأن البابانيين الذين أسسوا إمارتهم في عام (1670م) في قرية جوالان الواقعة في شمال السليمانية، كانوا يحبون العلم والمعرفة، والشعر والأدب، ويقدرونها كثيراً، وكان في جوالان قلعة تحوي مكتبة ضخمة تضم أكثر من ستة آلاف كتاب ومجلد من الكتب والمجلدات النادرة، إضافة إلى العشرات، بل المئات من المخطوطات. لهذا كان البابانيون يعزّون المبدعين بكل أغصانهم، ويرسلون المميزين منهم إلى القاهرة، طهران، أصفهان... إلخ، لشراء الكتب واستنساخها.

كما أن السليمانية تعتبر المدينة التي أنجبت رائد الفن التشكيلي لا في كردستان فقط، بل في العراق على نحو عام، وأقصد بذلك الفنان عثمان بط، الذي كان عاملاً في الجيش العثماني. ويقول جبرا إبراهيم جبرا في هذا الصدد: "في بدايات هذا القرن 1900م كان هناك ضابط اسمه عثمان بط يرتاد مقابر السليمانية، ويرسم صور النساء اللائي كنّ يزرن قبور أمواتهم، تلك النسوة التي كانت الورود والخضرة والربيع تحيط بهن...". وهذا ما يؤكده الفنان والناقد الكردي وهبي رسول في كتابه التعبيرية التجريدية في الرسم المعاصر في كردستان العراق، ص 265.

لالا

أسوق هذا الكلام فقط لأصل إلى القول، بأن السليمانية تستحق أن تكون العاصمة الثقافية لكردستان العراق، وبأن لالا عبده يتكئ على إرث كبير وموغل في التاريخ، فكيف لا يكون ضوءاً لها؟ كيف لا يكون راوياً لحكاياها؟ فالفنان الذي يمتطي جواد السليمانية، ويكبر على عليل هوائها وجمال طبيعتها، وفي كل مساء يكون على موعد مع أريج بساتينها وسفوح جبالها وعمق تاريخها، سيستقطب الحكاية من بدايتها، وسينبثق من جذورها، ليشكل رحلته في هذا الزمن كمغامرة لقول كلمته وتحقيق ذاته.

كما أن كردستان العراق غني بجمال طبيعته، جباله وسهوله، غني بأهله وناسه، بكرمه وشجاعته، غني بتاريخه وحضارته، بتراثه وفولكلوره، كذلك هو غني بثقافته، وبفنه ومبدعيه من كافة المجالات، من موسيقى إلى المسرح، ومن التشكيل إلى النحت، غني بكل ما يمكن أن يرسم هويته التي تخرجه من السطوح إلى الفضاءات، يطير فيها مغرداً نشيد الإنسان. فالفنان التشكيلي له دوره الكبير في هذا التحليق، يشكل كل واحد منهم نهراً مختلفاً عن الآخر، لكل واحد منهم عذوبته الخاصة، وفعله الخاص في تجميل البلاد. وفناننا الذي نحن بصدده، والذي تركنا مؤخراً، لالا عبده، كان له نهره الخاص والمميز، يجري في أرجاء كردستان بغزارة عشق وحب ملموس، فهو يُصنّف من الجيل الذي حمل على عاتقه إشارات التجديد، ويشكّل مع سمكو توفيق وإسماعيل خياط وآخرين جيل السبعينيات من القرن الماضي، الجيل المؤثر في الحراك التشكيلي في كردستان العراق، وكأنهم كانوا يتبنون عقيدة الفن حين يكون رمزاً للحكمة والجمال، وكاشفاً للحقيقة، ومنبئاً لوقائع الغد.

فالذي يعرف قيمة الفن ودوره، يعرف الإنسان وإنسانيته، ويحمل بشارة التغيير على الدوام. فلالا عبده لم يكن طارئاً على الفن، بل وُلد بين فضاءاته، عاشقاً ومحباً له، مدركاً بأن الفن لا يستر العورات، بل يكشفها، ويكشف القبيلة إن كانت شخصياتها تستلهم الحقائق أم لا. كان مدركاً بأن الفن يرفع الشعوب ويبنيها، بل هو أساسها المرصوص. ولهذا أطلق ريشته لا كغمغمة لصوت خافت، بل هديراً يقول فيه إن للأرض أسراراً، وللحياة أسراراً، وللوطن أسراراً، حان وقتها لتُقدَّم بشارتها السخية، والمبللة بقطرات دموع العذارى. فعبده يحمل معجزته ويطير إلى سموات فيها النبوءة تكون مقدسة.

يُعتبر لالا عبده من أهم الفنانين الذين يشتغلون بالألوان المائية في كردستان العراق، واعتمد على هذه التقنية منذ البدء، وهو يعلم تماماً بأنها من التقنيات الصعبة، ليست مطواعة أبداً، إلى درجة ترفض الخطيئة من جذورها. أقول: رغم صعوبة الركوب في هذا المركب، إلا أن لالا عبده لم يَهبْها، بل اختارها عن حب وقصد. فالمتعة الحقيقية تكمن في تجاوز المخاطر بعد ركوبها، والفنان الحقيقي تسعده هكذا مصاعب، بل يروّض فرسه الأصيل على امتداد مرحلة الخلق، وعلى امتداد قراءة المزمور غير السائد. فاعتماد عبده على الألوان المائية منحه الثقة الزائدة بريشته، والفروقات هنا ليست جسراً، ولا حالة تطهير للروح فحسب، بل احتفاء بثراء منجزه الفني، وبإيقاعاته الخاصة، التي يمكن للقارئ المجتهد أن يقاربها بتأملات وحكايا أفكار، ووصف حالات يجعله يبحر فيها وبها، على صياغات لا تتجاذبها التكرار والإعادة.

فالمتأمل في أعمال لالا عبده يدرك أنها تمثل نقلة مهمة ونوعية في مسيرة الفن التشكيلي المعاصر في كردستان العراق، وهذه الرؤية قد تكون غير سائدة، لكنها إرساء لأسلوب جديد في سردياته، تختلف عن التجارب المتداولة، وابتداع لمرويات جديدة لم يألفها الوسط الفني. فهو – وأقصد لالا عبده – يجعل من كردستان وطبيعتها، وشخوصها وكائناتها، وحكاياها، مروياً أساسياً في أعماله، بزمنها ومكانها، كتنويعات مهمة تجعلنا كقراء نهتم بهذه التجربة، وننظر في طاقاتها الإبداعية بحب واحترام.

زوم صغير
لالا عبده ابن مدينة السليمانية التي وُلد فيها عام 1947 ميلادية، درس في مدارسها، وحين حصوله على الثانوية التحق بأكاديمية الفنون الجميلة في بغداد ليتخرج منها عام 1970. شارك في معارض فردية وجماعية كثيرة داخل العراق وخارجه، في كل من (بغداد، السليمانية، فلورنسا، ستراسبورغ، بلجيكا، لندن، باريس، برلين... إلخ). توفي في 08_07_2025 في مدينة نورمبيرغ بألمانيا، لكن حقاً، المبدعون الحقيقيون لا يموتون، بل يولدون ويولدون في أعمالهم وبيننا على امتداد الشهيق والزفير.