ليس من الوطنية السكوت على القتل

لو لم يكن النظام الجديد مدفوعا بنزعته الطائفية المريضة لما كان أهل السويداء في حاجة إلى مَن يغيثهم. 

بعد الأزمة الإنسانية في غزة والتي كانت واحدة من نتائج حرب الإبادة التي بدا العالم عاجزا من خلال تواطئه المريب على إيقافها ضربتنا أزمة إنسانية في مكان غير متوقع، فالسويداء السورية ليست طرفا في حرب وليس للدروز الذين هم أهلها مشروع سياسي يقفون من خلاله في وجه الدولة السورية، بغض النظر عمَن يحكم في دمشق.

لم تمر سنوات الحرب الأهلية الثلاثة عشر عليهم بيسر ولم تكن حصانتهم هبة من أحد. لا من النظام ولا من معارضيه. لقد فرض أهل السويداء على الطرفين واقع حال، كان عبارة عن النأي بأنفسهم بعيدا عن شر خلاف على السلطة، دفعت سوريا وأهلها ثمنه، كانوا يعرفون أن صراعا من ذلك النوع لن يؤدي إلا إلى سفك دماء الأبرياء وتدمير أسباب الحياة في بلد كان دائما عبارة عن فيسفساء، مادتها الأفكار والرؤى المختلفة. ولو لم يكن كذلك لما قامت سوريا في التاريخ. لقد مشى الدروز في تلك الطريق الصعبة وهم يحلمون بصناعة أمل لكل السوريين. 

أما أن (يتحرر) السوريون من حكم العائلة الأسدية الذي استمر حوالي 54 سنة ويتحول الدروز الذين أخلصوا لسوريتهم المستقلة والخالصة إلى هدف، يتم من خلاله تمرير صيغة جديدة لسوريا تقوم على التمييز الطائفي فذلك ما لم يتوقعه أحد إلا إذا كان خبيرا بحرب المخابرات التي كانت ظلا للحرب الأهلية التي كان القضاء على الاحتجاجات السلمية الشعبية واحدا من نتائجها المباشرة. كان اللون الطائفي الواحد للمنتصرين الذين وصلوا إلى قصر الشعب بدمشق بمثابة ناقوس خطر، معه شعر السوريون بأنهم عادوا إلى درجات السلم الذي يفقدون عليه مواطنتهم ويعودون إلى أحضان أقلياتهم في مواجهة أكثرية غير راشدة لا تصلح لبناء دولة حديثة. لقد ذهب العقل الوطني وحلت النزعات الطائفية محله. ولأن الدروز هم الأكثر مقاومة لمحاولة تفتيت الوطن إلى مقاطعات طائفية فقد حل يوم الانتقام منهم. وليست العشائر البدوية إلا واجهة ساذجة وملفقة لتلك الرغبة في الانتقام. والدليل على ذلك أن الدولة السورية الجديدة لم تكلف نفسها عناء ما يملي عليها واجبها في الدفاع عن مواطنيها.  

أما حين تدخلت إسرائيل لحماية أهل السويداء من القتل فلم يكن ذلك إلا بسبب ما انطوى عليه إجراء الحكومة السورية من نوايا ملغومة. لقد أرسل النظام الجديد قوات أمنه من أجل فرض النظام في المدينة المنكوبة وليس من أجل حمايتها. كانت هناك تظاهرات شهدتها دمشق يدعو المشاركون فيها للجهاد من أجل وأد الخونة في السويداء. تلك واحدة من الصور الكئيبة التي تظهر من خلالها الأقليات في سوريا الجديدة. ربما كان النظام يأمل أن يبدأ بها مسيرته بالطريقة التي تحكم بها الأحزاب الموالية لإيران في العراق. وإذا كانت خطته قد فشلت بسبب الردع الإسرائيلي وتدخل قوى دولية مؤثرة فإن واقع الحياة في السويداء قد أصيب بضربة قاسية بعد مقتل المئات من الأبرياء ومشاهد الإذلال والسخرية التي تعرض لها كبار السن وشيوخ الطائفة. وهو ما أدى إلى وقوع أزمة إنسانية، يتطلب حلها اللجوء إلى المساعدات التي لم يكن دروز سوريا في حاجة إليها يوما ما. فهل كانت سوريا في حاجة إلى أزمة من ذلك النوع؟ لو لم يكن النظام الجديد مدفوعا بنزعته الطائفية المريضة لما كان أهل السويداء في حاجة إلى مَن يغيثهم. 

لقد اعتبرت المنظمات الإنسانية السويداء منطقة منكوبة تستحق أن تُسير إليها قوافل المساعدات. ذلك ما يمكن اعتباره واحدا من أشد إنجازات النظام السوري الجديد وضوحا. لقد تخلص السوريون من نظام بشار الأسد ليتحولوا إلى مادة للشفقة العالمية. أما تخوين الدروز بحجة الحماية الإسرائيلية فيمكن النظر إليه باعتباره نوعا بذيئا من المكر. ذلك لأن النظام السوري الجديد لم يحرص على شيء بقدر حرصه على إقناع إسرائيل بحاجته إلى التطبيع معها. لقد انتهت سوريا (الممانعة). انتهت سوريا (الصمود والتصدي) وانتهت سوريا (المقاومة). تلك نهاية طبيعية وضع زائف وُظفت الشعارات الوطنية في خدمته. لذلك فإن المزايدة على وطنية الدروز يمكن اعتبارها عودة إلى ذلك الوضع الزائف بصيغ جديدة.  

علينا أن نكون حذرين ومنصفين وحاسمين حين يتعلق الأمر بموت مجاني وعبثي مصدره الرغبة في قتل الآخر المختلف. السكوت في مواجهة ذلك الموت هو الآخر ليس عملا وطنيا.